الباب الخامس في الكلام على حكم اتباع رسم المصاحف العثمانية وفيه فصول وثلاثة تنبيهات وتتمة وفائدة مهمة
وإذ قد ثبت أن القرآن كله كان مكتوبا في عهده صلى الله عليه وسلم لكن غير مجموع في موضع واحد ولا مرتب السور ، وأنه صلى الله عليه وسلم ترك جمعه في مصحف واحد لأن النسخ كان يرد على بعضه فلو جمعه ثم رفعت تلاوة بعضه لأدى ذلك إلى الاختلاف فحفظه اللّه في الصدور إلى انقضاء زمن النسخ .
وأنه جمع في المصحف لاقتضاء المصلحة ذلك في زمن الصديق ونسخ كذلك من تلك الصحف في المصاحف في زمن عثمان وأن الصحابة رضي اللّه عنهم أجمعين جمعوا بين الدفتين القرآن المنزل من غير أن يكونوا زادوا فيه أو أنقصوا منه شيئا أو قدموا شيئا أو أخروه .
بل كتبوه في المصاحف على الترتيب المكتوب في اللوح المحفوظ بتوقيف جبريل - عليه السلام - للنبي صلى الله عليه وسلم على ذلك وإعلامه عند نزول كل آية بموضعها وأين تكتب ، وأنهم - رضي اللّه عنهم - قد أجمعوا على نقل المصاحف العثمانية من الصحف التي كتبها أبو بكر وعمر وإرسال كل مصحف منها إلى مصر من أمصار المسلمين ، وأجمعوا على ترك ما سوى ذلك ، وأن أهل كل مصر أجمعوا على تلقي ما في مصحفهم بالقبول .
وهذا إجماع من الأمة المعصومة من الخطأ على ما تضمنته هذه المصاحف وعلى ترك ما خالفها من زيادة ونقص وإبدال كلمة بأخرى وحرف بآخر وجب علينا أن نتبع في قراءتنا المرسوم الذي جعله لنا عثمان رضي الله عنه في المصحف أصلا .
ولذا قال الأئمة المحققون : كل قراءة ساعدها خط المصحف مع صحة النقل ومجيئها على الفصيح من لغة العرب فهي المعتبرة ، وأن نقتدي في كتبنا القرآن بكتبه لجعل المصحف إماما متبعا لكل من يكتب القرآن فلا يجوز لمن يكتب مصحفا أن يكتبه على خلاف الرسم العثماني .