تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التبيان في علوم القرآن — صفحة 99

مساهمون:

ص٩٩

مثل على إعجاز القرآن :

وقد ذكر المرحوم ( الشيخ الزرقاني ) كلاما نفيسا في كتابه ( مناهل العرفان ) ننقله بنصّه . قال رحمه اللّه في بحث تعريف ( المعجزة ) ما يلي : ( المعجزة : هي أمر خارج للعادة ، خارق عن حدود الأسباب المعروفة ، يخلقه اللّه تعالى على يد مدّعي النبوّة ، عند دعواه إيّاها : شاهدا على صدقه . . . فإذا قام إنسان ما ، وادّعى أنه مبعوث من اللّه تعالى إلى خلقه ، ورسوله إلى عباده ، وقال : إن آية صدقي فيما أدّعيه ، أن يغيّر اللّه الذي ارسلني عادة من عاداته على يدي ، وأن يخرج الآن عن سنة من سننه العامة في وجوده ثم قال : وسيأتيكم اللّه بهذا الأمر العجاب ، من باب ترون انكم فيه نابغون وعليه قادرون ، وإنّي أتحدّاكم زرافات ووحدانا أن تأتوا بمثل هذه الآية ، وأمامكم الباب مفتوحا كما تعتقدون ، وفيكم النبوغ موفورا كما تدّعون ، ثم أنتم مجتمعون وأنا وحدي ، قال ذلك بلغة الواثق ، وتحدّانا هذا التحدّي الظاهر ، في وقت يثور فيه على عقائدنا وعاداتنا وأخلاقنا ، ويسفّه فيه أحلامنا وأحلام أمثالنا من آبائنا ، ونحن أحرص ما نكون على تعجيزه وتبهيته والغلبة عليه والظفر به ، دفاعا عن كرامتنا وانتصارا لأعزّ شيء لدينا ، ثم لم يلبث أن قام وقمنا ، وأجمع امره وأجمعنا ، وإذا نحن جميعا بعد محاولات ومصاولات لم نستطع أن نأتي بمثل ما أتى به ، فضلا عن أعظم منه ، مع أننا أمة وهو فرد ، ومع أنه قد دخل الينا من أيسر الطرق في نظرنا ، ومن أشهر فنّ في زماننا ، ومع أنه قد أعطانا الفرصة الكافية لمناظرته ، وأنصفنا كل إنصاف من نفسه ! ! هل يشكّ كل ذي مسكة من عقل ، في أن هذا الإنسان المتفوق الممتاز صادق في رسالته ومحق في دعوته ، خصوصا إذا عرفنا فوق ذلك كله أنه نشأ فينا على الصدق والأمانة ومكارم الأخلاق ، من لدن صباه وطفولته إلى يوم مبعثه ورسالته ! . لو أنه جاء بالمعجزة من باب لا نعرفه ، لقلنا : رجل حذق فنا من الفنون التي لا علم لنا بها ، أو تعلّم صناعة من الصناعات التي لم نحط بخبرها ، أما وقد جاءنا من الناحية التي نشهد لأنفسنا فيها بالتفوق والسبق ، فلا يسعنا إلّا الإذعان له ، والإيمان بما جاء به ما
التبيان في علوم القرآن — صفحة 99 | محمد علي الصابوني