دمنا منصفين . ولنضرب لك مثلا : جاء موسى عليه السلام بمعجزته عصا من الخشب ، لا روح فيها ولا حركة ، ولا لين ولا رطوبة ، ثم ألقاها باسم الذي أرسله ، فإذا هي حيّة تسعى ، بينما الأمة التي تحدّاها بذلك كانت قد تفوّقت في السحر وحذقته ، وضربت فيه بأوفر سهم وأوفى نصيب ، خصوصا انهم أمة وهو فرد ، وهم نابغون في السحر وهو مع نشأته فيهم لم يعرف يوما من الأيام بمعالجة السّحر ، فهل يبقى للشك ظل بعد أن ألقى موسى عصاه
فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ
« 1 » ؟
فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ
« 2 » ؛
وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ * قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ رَبِّ مُوسى وَهارُونَ
« 3 » ؟ ؟ الحق أبلج ، ولذلك كان أول من آمن به هم السحرة أنفسهم لأنهم أعرف بالسّحر ومقدماته ونتائجه ، وقد رأوا رأي العين أن ذلك الإعجاز ليس من نوع السحر الذي عرفوه .
قل مثل ذلك في معجزة كل رسول أرسله اللّه ، قله في عيسى بن مريم عليه السلام ، وإبرائه الأكمه والأبرص ، وإحيائه الموتى ، وخلقه من الطين كهيئة الطير بإذن اللّه ، أمام قوم نبغوا في الطبّ أيما نبوغ ، ومهروا فيه أيما مهارة ! . .
وقل مثل ذلك وأكثر من ذلك في خاتم الأنبياء سيدنا محمد صلّى اللّه عليه وسلم وما جاء به من آيات بينات ومعجزات واضحات ، وحسبك القرآن وحده برهانا ساطعا ، بل براهين ساطعات ، كل مقدار ثلاث آيات منه حجة قاطعة تقوم في فم الدنيا إلى يوم الساعة ، تتحدّى العالم بما يكون فيها من أسرار الفصاحة والبيان ، والعلوم والمعارف ، وأنباء الغيب وشواهد الحق « 4 » .
شروط المعجزة الإلهية :
وللمعجزة شرائط خمسة نبّه عليها العلماء ، فإن اختلّ منها شرط لا تكون معجزة :
هامش
( 1 ) سورة الأعراف ، الآية : 117 .
( 2 ) سورة الأعراف ، الآية : 118 .
( 3 ) سورة الأعراف ، الآيات : 120 - 122 .
( 4 ) مناهل العرفان ج 1 ص 68 .