و ( الفصاحة ) في اللسان ، وكان ذلك انفع لهم من الحرب التي ذاقوا ويلاتها ، وخاضوا غمارها ، حتى شربوا كئوس الأسى وتجرعوا الموت الذؤام ، ولكنهم اختاروا طعن الرماح ، ووقع النبال ، ولم يدخلوا في المباراة .
يقول القاضي ( الباقلاني ) رحمه اللّه : ( كيف يجوز أن يقدروا على معارضة القرآن ، السهلة عليهم ، وذلك يدحض حجّته ، ويفسد دلالته ، ويبطل أمره ، فيعدلون عن ذلك إلى سائر ما صاروا إليه من الأمور التي ليس عليها مزيد في المنابذة والمعاداة ، ويتركون الأمر الخفيف ؟ هذا ما يمتنع وقوعه في العادات ولا يجوز اتفاقه من العقلاء ) .
وأما الأمر الثالث : وهو ( انتفاء ما يمنعهم من معارضة القرآن ) ، فلأنّه نزل بلسان عربي ، هو لسانهم ، وألفاظه من أحرف العرب ، وعباراته على أسلوب العرب ، وهم أهل البيان واللّسن ، وأمراء الفصاحة والبلاغة ، وقد دلت أشعارهم ، ونطقت خطبهم وحكمهم على براعتهم في ذلك ، وعلى أنهم حازوا قصب السبق في مضار الفصاحة والبيان ، كما أثبتت الأيام أنهم من ذوي القدرة والاستطاعة على أن يبرّزوا في الشعر والنثر ، وان يحلّقوا في سماء الفصحى ألا وهي لغتهم الأساسية ( لغة القرآن ) التي بها يتفاخرون ويتبارون ، ويعقدون المنتديات ، ويجتمعون في المحافل ، ليستمعوا أروع القصائد والخطب ، ويصوغوا أجمل الالفاظ والعبارات ، ولم يكونوا في عجز من قدرتهم ، أو نقص في عقولهم ، بل كانت قدرتهم موفورة ، واستطاعتهم مشهورة ، وهم أولوا النّهي والألباب ، ومع ذلك فالقرآن دعاهم أن يستعينوا بمن شاءوا ، ويكمّلوا ما ينقصهم بأهل الأديان ، ويستحضروا عدّتهم بالاتصال بالسحرة والكهّان ، وبمن شاءوا من طوائف الإنس والجان ، فليس أمامهم ثمة مانع ، والنبي صلّى اللّه عليه وسلم لم يضرب لهم أجلا للمعارضة ، ولم يحدّد زمنا للمناقضة ، حتى يقول قائل منهم : إن الزمن لا يكفي وليس فيه سعة ، كما أن القرآن لم ينزل جملة واحدة حتى يحتجوا بذلك ، بل نزل مفرقا في ثلاث وعشرين سنة ، بين كل مجموعة وأخرى زمن متسع للمعارضة وللإتيان بمثله لو كان في مقدورهم ذلك ، فلما عجزوا دلّ على أنه تنزيل رب العباد ، وكفى بذلك دليلا وبرهانا .
التبيان في علوم القرآن — صفحة 98
مساهمون: محمد علي الصابوني
ص٩٨