خالدة لا يزال التاريخ يذكرها بالجميل والثناء العاطر لأبي بكر في التوجيه والإشراف ، ولزيد بن ثابت في التنفيذ والعمل رضوان اللّه عليهم أجمعين . وجمع القرآن في مصحف واحد في عهد أبي بكر لا يعني أن الصحابة رضوان اللّه عليهم لم يكن لديهم مصاحف كتبوا فيها القرآن من قبل ، فإن ذلك لا ينافي أن يكون لبعض الصحابة مصحف خاص ، ولكن هذه المصاحف لم تظفر بما ظفر به مصحف أبي بكر من دقة البحث والتحري ، والاقتصار على ما لم تنسخ تلاوته ، ومن بلوغه حدّ التواتر ، ومن اجماع الأمة عليه ، ومن شموله للأحرف السبعة ( القراءات السبع ) كما تقدّم ، فهذا ( علي ) رضي اللّه عنه كأن له مصحف خاص كتبه في بدء خلافة أبي بكر ، وعزم ألّا يخرج إلا للصلاة حتى ينتهي من كتابته . . .
روى السيوطي عن ( محمد بن سيرين ) عن ( عكرمة ) أنه قال : لمّا كان بدء خلافة أبي بكر ، قعد علي بن أبي طالب في بيته ، فقيل لأبي بكر : قد كره بيعتك ، فأرسل إليه فقال : أكرهت بيعتي ؟ فقال : رأيت كتاب اللّه يزاد فيه فحدّثت نفسي ألّا ألبس ردائي إلا لصلاة حتى أجمعه ، قال له أبو بكر : فإنك نعم ما رأيت « 1 » فقد كان له مصحف ولكنه كما يروى عن ابن سيرين كان فيه الناسخ والمنسوخ فلم يكن مثل مصحف أبي بكر .
لما ذا لم يجمع القرآن في مصحف واحد ؟
ونتساءل هنا : لما ذا لم يجمع القرآن الكريم في مصحف واحد في زمن النبي صلّى اللّه عليه وسلم ؟
والجواب عن ذلك :
أولا : : إن القرآن لم ينزل مرة واحدة وإنما نزل مفرّقا ، ولا يمكن جمعه قبل أن يتكامل النزول .
ثانيا : إنّ بعض الآيات كانت تنسخ ، وإذا كان القرآن عرضة للنسخ فكيف يمكن أن تجمع في مصحف واحد .
هامش
( 1 ) أنظر : كتاب الاتقان للسيوطي .