ثانيا : لما ذا اختار أبو بكر ( زيد بن ثابت ) من بين الصحابة الكرام لهذا العمل الجليل ؟
والجواب عن ذلك : أن زيدا رضي اللّه عنه قد اجتمع فيه من المواهب العظيمة التي تؤهله لجمع القرآن ما لم يجتمع في غيره من الرجال ، إذ كان من حفّاظ القرآن ، ومن كتّاب الوحي لرسول اللّه ، وشهد ( العرضة الأخيرة ) للقرآن في ختام حياته صلّى اللّه عليه وسلم . .
وكان فوق ذلك معروفا بشدة ورعه ، وعظم أمانته ، وكمال خلقه ، واستقامة دينه ، وكان معروفا بالنبوغ والذكاء ، وهذا ما أشار إليه كلام أبي بكر في رواية البخاري حين استدعاه وقال له : ( إنك رجل شاب عاقل لا نتّهمك ، كنت تكتب الوحي لرسول اللّه ) . .
فلهذه الخصال والمزايا الحميدة اختاره أبو بكر الصديق لجمع القرآن . . ومما يدلّ على شدة ورع زيد بن ثابت أنه قال : ( فو اللّه لو كلّفني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل عليّ مما أمرني به ) الحديث .
ثالثا : ما هو المقصود من قول زيد في رواية البخاري ( حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة لم أجدها عند غيره ) ؟ .
والجواب عن ذلك : أن زيدا رضي اللّه عنه لم يجد هذه الآيات مكتوبة عند أحد من الصحابة إلّا عند أبي خزيمة الأنصاري ، وليس المراد أنها لم تكن محفوظة ، إذ أن زيدا نفسه كان يحفظها ، وكان كثير من الصحابة يحفظونها ، ولكنه أراد أن يجمع بين ( الحفظ والكتابة ) كما سنبينه إن شاء اللّه زيادة في التوثق ومبالغة في الاحتياط ، وعلى ذلك النهج الرشيد تمّ جمع القرآن .
الخطة الرشيدة في جمع القرآن :
وقد انتهج ( زيد بن ثابت ) في جمع القرآن خطة رشيدة في غاية الدقّة والإحكام ، فيها ضمان لحياطة هذا الكتاب المجيد ، بما يليق به من تثبت بالغ ، وحذر دقيق ، فلم يكتف بما حفظ في قلبه ولا بما كتب بيده ، ولا بما سمع بأذنه ، بل جعل يتتبّع ويستقصي آخذا على نفسه أن يعتمد في جمع القرآن على مصدرين اثنين :