تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التبيان في علوم القرآن — صفحة 59

مساهمون:

ص٥٩
ثالثا : إن ترتيب الآيات والسّور لم يكن على حساب النزول فقد تنزل بعض الآيات في أواخر الوحي بينما يكون ترتيبها في أوائل السور الكريمة وهذا يقتضي تغيير المكتوب . رابعا : كانت المدّة بين نزول آخر ما نزل وبين وفاته صلّى اللّه عليه وسلّم قصيرة جدا ، وقد تقدّم في الفصل الأول أن آخر ما نزل من القرآن قوله تعالى
وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ . .
« 1 » الآية . وقد انتقل رسول اللّه إلى جوار ربه بعد نزولها بتسع ليال ، فالمدة إذا قصيرة ، ولا يمكن جمعه قبل تكامل النزول . خامسا : لم يوجد من دواعي الجمع في مصحف واحد مثل ما وجد في عهد أبي بكر ، فقد كان المسلمون بخير ، والقرّاء كثيرون ، والفتنة مأمونة ، بخلاف ما حصل في عهد أبي بكر من مقتل الحفّاظ حتى خاف على ضياع القرآن . والخلاصة : إن القرآن لو جمع في مصحف واحد والحال على ما ذكرنا لكان القرآن عرضة للتغيير والتبديل كلما وقع نسخ ، أو حدث سبب ، مع أن أدوات الكتابة لم تكن ميسورة . والظروف لا تساعد على ترك المصحف القديم ، والاعتماد على المصحف الجديد ، لأنه لا يمكن أن يكون في كل شهر أو يوم مصحف يجمع كل ما نزل من القرآن ولكن لما استقرّ الأمر بختام التنزيل ، ووفاة الرسول ، وأمن النسخ ، وعرف الترتيب أمكن جمعه في مصحف واحد ، وهذا ما فعله الخليفة الراشد أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه وجزاه عن القرآن والمسلمين خير الجزاء .

جمع القرآن في عهد عثمان .

أما جمع القرآن في عهد عثمان فقد كان له سبب آخر غير السبب الذي حدث في عهد أبي بكر . فقد اتسعت الفتوحات الإسلامية في عهد عثمان ، وتفرّق المسلمون في الأقطار والأمصار ، واشتهر في كل بلدان من البلاد الإسلامية قراءة الصحابي الذي علّمهم القرآن ، فأهل الشام كانوا يقرءون بقراءة ( أبيّ بن كعب ) وأهل الكوفة كانوا
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، الآية : 281 .