الكتاب الذين لا نجد منهم من يحفظ التوراة أو الإنجيل ، وإنما يعتمدون في حفظهما على الكتب المسطّرة ، ولا يقرءونه إلا نظرا ، لا عن ظهر قلب ، ولهذا دخل إليهما التحريف والتبديل ، أما القرآن الكريم فقد حفظه اللّه بعنايته الإلهية ، فيسّره للحفظ
وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ
« 1 » وصانه من التحريف والتبديل بطريق حفظه في السطور ، وحفظه في الصدور ومصداقا لقوله تعالى
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ ، وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ
« 2 » وهذا - بلا شك عناية من اللّه خاصة بهذا القرآن المجيد ، وشرف عظيم اختص اللّه به هذه الأمة المحمدية حيث جعل أناجيلها في صدورها ، وأنزل عليها كتابا لا يغسله الماء وللّه درّ القائل :
اللّه أكبر إنّ دين محمد * وكتابه أقوى وأقوم قيلا
لا تذكر الكتب السوالف عنده * طلع الصباح فأطفئ القنديلا
جمع القرآن في السطور :
وأما المزية الثانية لهذا القرآن العظيم فهو جمعه وكتابته في المصحف ، فقد كان لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كتّاب للوحي ، كلما نزل شيء من القرآن أمرهم بكتابته ، مبالغة في تسجيله وتقييده ، وزيادة في التوثق والضبط ، والاحتياط الشديد في كتاب اللّه عز وجل ، حتى تظاهر الكتابة الحفظ ، ويعاضد التسجيل المسطور ، ما أودعه اللّه في الصدور . . وكان هؤلاء الكتّاب من خيرة الصحابة اختارهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من المجيدين المتقنين ، ليتولوا هذه المهمة العظيمة . . وقد اشتهر منهم ( زيد بن ثابت ، وأبيّ بن كعب ، ومعاذ بن جبل ، ومعاوية بن أبي سفيان ، والخلفاء الراشدون ) وغيرهم من الصحابة الأجلّاء رضوان اللّه عليهم أجمعين .
روى الشيخان عن أنس رضي اللّه عنه أنه قال : ( جمع القرآن على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أربعة كلهم من الأنصار : أبيّ بن كعب ، ومعاذ بن جبل ، وزيد بن ثابت ، وأبو زيد ، قيل
هامش
( 1 ) سورة القمر ، الآية : 17 .
( 2 ) سورة الحجر ، الآية : 9 .