تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التبيان في علوم القرآن — صفحة 51

مساهمون:

ص٥١
البيوت ، حتى لقد كان الذي يمر ببيوت الصحابة في غسق الدّجى ، يسمع فيها دويا كدويّ النحل بالقرآن ، حتى كان صلوات اللّه عليه يمر على بعض دور الأنصار ، فيقف على بعضهم يستمع القرآن في ظلام الليل . . أخرج البخاري عن ( أبي موسى الأشعري ) ان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال له : ولو رأيتني البارحة وأنا أستمع لقراءتك ؟ لقد أعطيت مزمارا من مزامير آل داود » . . وزاد في رواية لمسلم : فقلت : لو علمت واللّه يا رسول اللّه أنّك تستمع لقراءتي لحبّرته لك تحبيرا . وروى عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « إني لأعرف أصوات رفقة الأشعريين بالقرآن حين يدخلون بالليل ، وأعرف منازلهم من أصواتهم بالليل بالقرآن ، وإن كنت لم أر منازلهم بالنهار » . رواه الشيخان . وقد اشتهر كثير من الصحابة بحفظ القرآن الكريم ، وكان الرسول صلّى اللّه عليه وسلم يذكي فيهم روح العناية بحفظ القرآن ، ويبعث إلى المدن والقرى من يعلمهم ويقرئهم ، كما بعث - قبل الهجرة - ( مصعب بن عمير ) و ( ابن أم مكتوم ) إلى أهل المدينة ، يعلّمانهم الإسلام ، ويقرءانهم القرآن ، وكما بعث ( معاذ بن جبل ) إلى مكة للتحفيظ والتعليم بعد هجرته صلّى اللّه عليه وسلم . قال ( عبادة بن الصامت ) : كان الرجل إذا هاجر دفعه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إلى رجل منا يعلّمه القرآن ، وكان يسمع لمسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ضجة بتلاوة القرآن ، حتى أمرهم رسول اللّه أن يخفضوا أصواتهم لئلا يتغالطوا ) . ومن هنا كان حفّاظ القرآن في حياة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم لا يحصون ، ويكفي أن نعلم أن عدد الذين استشهدوا في ( معركة اليمامة ) يزيد عددهم على سبعين من كبار الحفاظ ، كما قتل مثل هذا العدد في عهد الرسول ببئر معونة . . قال القرطبي : ( قتل يوم اليمامة سبعون من القراء وقتل في عهد رسول اللّه ببئر معونة مثل هذا العدد ) . أي : أن عدد الذين استشهدوا من الحفظة 140 . ولقد كانت أشرف خصوصية لهذه الأمة المحمدية أن يكون هذا الكتاب المقدس محفوظا في صدورها ، وأن تعتمد في نقله على حفظ القلوب والصدور ، لا على كتابته في المصاحف والسطور فحسب . . بخلاف أهل