واضحة ، حيث سلك القرآن الكريم مع البشرية - وخاصة منهم العرب - طريق الحكمة ففطمهم عن الشرك ، وأحيا قلوبهم بنور الإيمان ، وغرس في نفوسهم حبّ اللّه ورسوله ، والايمان بالبعث والجزاء ، ثم انتقل بهم بعد هذه المرحلة - مرحلة تثبيت دعائم الإيمان - إلى العبادات فبدأهم بالصلاة قبل الهجرة ، ثم ثنّى بالصوم وبالزكاة في السنة الثانية من الهجرة ، ثم ختم بالحج في السنة السادسة منها ، وكذلك فعل في العادات المتوارثة . زجرهم أولا عن الكبائر ، ثم نهاهم عن الصغائر في شئ من الرفق ، وتدرج بهم في تحريم ما كان مستأصلا في نفوسهم كالخمر والربا والميسر ، تدرجا حكيما ، استطاع بذلك ان يقتلع الشرّ والفساد من جذوره اقتلاعا كاملا ، ولنأخذ بعض الأمثلة على ذلك التشريع الحكيم ، الذي نجح في انتهاجه القرآن ، في معالجة الأمراض الاجتماعية ( تحريم الخمر ) الذي كان داء مستشريا عند العرب ، كيف استطاع ان يمحوه ويقضي عليه الإسلام ؟ لقد انتهج القرآن في تحريمه أربع مراحل ، كما هو الشأن في تحريم الربا ، فلم يحرّمه دفعة واحدة لأنهم كانوا يتعاطون شرب الخمر كما يشرب الواحد منا الماء الزلال ، فلم يكن من الحكمة ان يحرّمه عليهم دفعة واحدة ، وانما حرمه بالتدريج ، فبدأ أولا بالتنفير منه بطريق غير مباشر فنزل قوله تعالى
وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً . .
« 1 » الآية فقد اخبر تعالى أنّه قد أنعم على الناس بهاتين الشجرتين ( النخيل ، والأعناب ) يستخرجون منهما ( السكر ) أي الخمر الذي يسكر و ( الرزق الحسن ) الذي ينتفع منه الناس من مأكول ومشروب ، فمدح الثاني ووصفه بأنه رزق حسن ، وأخبر عن الأول بأنه ( سكر ) اي شيء يسكر ويذهب بعقل الإنسان وبهذه المباينة في الوصف يتّضح لكل عاقل الفارق الكبير بين الأمرين المذكورين .
المرحلة الثانية : جاء التنفير المباشر عن طريق المقارنة العملية بين شيئين : شيء فيه نفع مادي ضئيل ، وشيء فيه ضرر جسمي وصحي وعقلي جسيم ، وفيه كذلك زيادة
هامش
( 1 ) سورة النحل ، الآية : 67 .