المثلى أبعد نظرا ، وأهدى سبيلا ، وأنجح تشريعا ، وأنجع سياسة ، من تلكم الأمم المتمدنة المتحضرة التي أفلست في تحريم الخمر على شعوبها أفظع إفلاس ، وفشلت أمرّ فشل ، وما عهد أمريكا في مهزلة تحريمها الخمر ببعيد ! ! أليس ذلك إعجازا للإسلام في سياسة الشعوب ، وتهذيب الجماعات ، بلى والتاريخ من الشاهدين .
أما الحكمة الرابعة : فهي : ( تسهيل حفظ القرآن ) على المسلمين ، وفهمهم وتدبرهم له ، فمن المعلوم ان العرب كانوا أميين ( أي لا يقرءون ولا يكتبون ) وقد سجّل القرآن الكريم عليهم ذلك في قوله تعالى
هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ . .
« 1 » الآية . كما كان صلوات اللّه عليه أميا كذلك
الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ
« 2 » فاقتضت حكمة اللّه ان ينزل كتابه المجيد ( منجما ) ليسهل حفظه على المسلمين ، لأنهم كانوا يعتمدون على ذاكرتهم ، فكانت صدورهم اناجيلهم ، كما ورد في وصف أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وأدوات الكتابة لم تكن ميسورة لدى الكاتبين منهم على ندرتهم ، فلو نزل القرآن جملة واحدة لعجزوا عن حفظه ، وعجزوا بالتالي عن تدبّره وفهمه ! ! اما الحكمة الخامسة : فهي : ( مسايرة الحوادث والوقائع في حينها ) والتنبيه على الأخطاء في وقتها ، فإن ذلك أوقع في النفس وأدعى إلى أخذ العظة والعبرة منها عن طريق ( الدرس العملي ) فكلّما جدّ منهم جديد نزل من القرآن ما يناسبه ، وكلما حصل منهم خطأ أو انحراف نزل القرآن بتعريفهم وتنبيههم إلى ما ينبغي اجتنابه ولطلب عمله ونبههم إلى مواطن الخطأ في ذلك الوقت والحين ، خذ مثلا على ذلك ( غزوة حنين ) فقد دخل الغرور إلى نفوس المسلمين ، وقالوا قولة الإعجاب والاغترار لما رأوا عددهم يزيد على عدد المشركين أضعافا مضاعفة ، حينذاك داخلهم العجب فقالوا ( لن نغلب اليوم من قلّة ) وكانت النتيجة انكسارهم وانهزامهم وتوليتهم الأدبار ، وفي ذلك يقول القرآن الكريم
هامش
( 1 ) سورة الجمعة ، الآية : 2 .
( 2 ) سورة الأعراف ، الآية : 157 .