تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التبيان في علوم القرآن — صفحة 40

مساهمون:

ص٤٠
تعبدون . ونحن نعبد ما عبدتم ) إلى آخر ذلك أي أنه لسكره غيّر فيها ، فنزلت الآية الكريمة . وفي المرحلة الرابعة : وهي المرحلة الأخيرة كان التحريم الكلي ، القاطع المانع ، حيث نزل قوله تعالى
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ، وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ ، فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ . .
« 1 » ؟ وسبب نزول هذه الآيات الكريمة على ما ذكره المفسرون هو : أن بعض الصحابة صلوا العشاء ثم شربوا الخمر وجلسوا يتسامرون ، فلعبت الخمر في رؤوسهم وكان فيهم ( حمزة بن عبد المطلب ) عمّ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وكانت جارية صغيرة تنشدهم وتغنّيهم ، فقالت ضمن نشيدها :
ألا يا حمز للشرف النّوّاء * وهنّ معقّلات بالفناء
تهيّج حمزة على النوق ( الإبل ) التي كانت بجوار الدار ، فقام حمزة فجبّ اسنمة ناقتي ( عليّ ) وبقر خاصرتيهما - وهو في حالة السكر - فأخبر عليّ بذلك فتألّم أشد الألم وذهب إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يشكو اليه ما فعل عمه ( حمزة ) فجاء النبي صلّى اللّه عليه وسلّم اليه يعاتبه ويلومه على صنيعه ، فجعل حمزة ينظر اليه نظرة غريبة ( يصوّب بصره ويخفّضه ) ثم خاطبه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ومن معه بقوله : وهم أنتم إلا عبيد لأبي ؟ فعلم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ان عمه ثمل ( أي سكران ) فلم يؤاخذه ، فقال عمر عندئذ : اللهم بيّن لنا في الخمر بيانا شافيا ، فأنزل اللّه
إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ
الآية . وهكذا تم تحريم الخمر تحريما ( بالتدرج ) ، فكان في ذلك أعظم حكمة جليلة سلكها الاسلام في معالجة الأمراض الاجتماعية ، وقد جاء في كتاب ( مناهل العرفان ) للزرقاني ما نصّه : ( وتدرّج الاسلام بهم في تحريم ما كان مستأصلا فيهم كالخمر ، تدرجا حكيما حقق الغاية ، وانقذهم من كابوسها في النهاية ، وكان الاسلام في انتهاج هذه الخطة
هامش
( 1 ) سورة المائدة ، الآيتان : 90 ، 91 .