وأخرى تكون التسلية عن طريق إخبار الرسول باندحار أعدائه وانهزامهم كما في قوله تعالى
سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ
« 1 » وقوله
قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ
« 2 » . إلى آخر ما هنالك من ألوان في التخفيف عن قلب الرسول ، وتطييب نفسه وفؤاده ، ولا شك أن في تجدد نزول الوحي ، وتكرّر هبوط الأمين جبريل بالآيات البينات ، التي فيها تسلية للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم وفيها الوعد بالنصر والحفظ والتأييد ، كان لها أعظم الأثر في تثبيت قلب الرسول لمتابعة الدعوة ، والمضيّ في تبليغ الرسالة الإلهية ، لأنّ اللّه معه ، وهل يشعر بالخذلان والفتور من كانت عناية اللّه تحوطه وعينه ترعاه ؟
ثانيا - أما الحكمة الثانية وهي : ( التلطف بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ) عند نزول الوحي ، فقد كانت بسبب روعة القرآن وهيبته ، كما قال تعالى
إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا
« 3 » فالقرآن - كما هو مقطوع به - كلام اللّه المعجز ، الذي له جلال ووقار ، وهيبة وروعة وهو الكتاب الذي لو نزل على جبل لتفتّت وتصدّع من هيبته وجلاله كما قال تعالى
لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ . .
« 4 » فكيف إذا بقلب النبي الرقيق ، هل يستطيع ان يتلقّى جميع القرآن دون أن يتأثر ويضطرب ويشعر بروعة القرآن وجلاله ! ! ولقد أوضحت السيدة عائشة حالة الرسول حين ينزل عليه القرآن ، وما يلاقيه من شدة وهول من أثر التنزيل ، فقالت : ( كما رواه البخاري ) ولقد رأيته حين ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه ( أي ينفصل ) وإن جبينه ليتفصد عرقا ) . يتفصد : أي يتصبب عرقا وذلك من شدة الوحي ووطأته على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . .
ثالثا : وأما الحكمة الثالثة وهي : ( التدرج في تشريع الاحكام ) فقد كانت جليّة
هامش
( 1 ) سورة القمر ، الآية : 45 .
( 2 ) سورة آل عمران ، الآية : 12 .
( 3 ) سورة المزمل ، الآية : 5 .
( 4 ) سورة الحشر ، الآية : 21 .