أولا : أما الحكمة الأولى وهي ( تثبيت قلب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ) فقد ذكرتها الآية الكريمة في معرض الرد على المشركين ، حين اقترحوا أن ينزل القرآن جملة واحدة كما نزلت الكتب السماوية السابقة فردّ اللّه عليهم بقوله
كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا
« 1 » وتثبيت قلب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم انما هو رعاية من اللّه وتأييد لرسوله أمام تكذيب خصومه له وإيذائهم الشديد له ولأتباعه ، فقد كانت الآيات الكريمة تنزل على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ( تسلية ) له وشحذا لهمته للمضيّ في طريق الدعوة مهما اعترضته المصاعب والشدائد ، وتقوية لقلبه الشريف ، فقد تعهّده اللّه سبحانه وتعالى بما يخفف عنه الشدائد والآلام ، فكان إذا اشتد الأذى عليه نزلت الآيات تسلية له وتخفيفا عمّا يلقاه ، وكانت التسلية تارة عن طريق قصص الأنبياء والمرسلين ليقتدي بهم في صبرهم وجهادهم كما قال تعالى
وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا . .
« 2 » الآية . وقوله تعالى
فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ
« 3 » وقوله
وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا
« 4 » .
وقد أوضح الباري جلّت عظمته الحكمة من ذكر قصص الأنبياء فقال وهو أصدق القائلين :
وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ ، وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ
« 5 » وتارة كانت التسلية عن طريق الوعد بالنصر والتأييد للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم كقوله تعالى
وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً
« 6 » وكقوله
وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ
« 7 » .
هامش
( 1 ) سورة الفرقان ، الآية : 32 .
( 2 ) سورة الأنعام ، الآية : 34 .
( 3 ) سورة الأحقاف ، الآية : 35 .
( 4 ) سورة الطور ، الآية : 48 .
( 5 ) سورة هود ، الآية : 120 .
( 6 ) سورة الفتح ، الآية : 3 .
( 7 ) سورة الصافات ، الآيات : 171 - 173 .