ومن يستجيز من أهل الطّامات مثل هذه التأويلات ، مع علمه بأنها غير مرادة بالألفاظ ، يضاهي من يستجيز الاختراع والوضع ( الكذب ) على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم كمن يضع في كل مسألة يراها ، حديثا عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم فذلك ظلم وضلال ، ودخول في الوعيد « من كذب عليّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار » . . بل الشرّ في تأويل هذه الألفاظ أطمّ وأعظم ، لأنه مبطل للثقة بالألفاظ ، وقاطع طريق الاستفادة والفهم من القرآن بالكلية « 1 » . . ) انتهى كلام الغزالي .
خلاصة البحث :
ومما تقدم يتبين لنا أن التفسير الإشاري له ما يؤيده من الشرع ، ولكنه قد دخلت عليه بعض التأويلات الفاسدة ، وسلك فيه بعض الناس مسلك الباطنية ولم يراعوا الشروط التي وضعها العلماء ، وأخذوا يخبطون فيه خبط عشواء ، بل أصبح كلّ من هبّ ودبّ ، يتطاول على كتاب اللّه تعالى ، فيتأوله حسب ما يمليه عليه الهوى ، أو يسوس له به الشيطان ، ويزعم أنه من التفسير الإشاري مع أنه سفاهة وضلالة وجهالة ، لأنه تحريف لكتاب اللّه ، وسلوك لمسلك الباطنية الملاحدة وهو إن لم يكن تحريفا لألفاظه فإنه تحريف لمعانيه . ولقد سمعت من يستشهد بالآية الكريمة
قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ
« 2 » على ضرورة ملازمة المريد لذكر اللّه تعالى بلفظ ( للّه ) فجعل هذه اللفظة مقول القول : أي ( قل : اللّه ) وما درى هذا الجاهل الغبيّ أنّ هذه جملة حذف منها الخبر ، والتقدير : ( اللّه أنزله ) بدليل سياق الآية الكريمة
وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ ، قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى . .
إلى قوله :
قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ
وأمثال هذا التخليط كثير . فلا ينبغي لعلماء المسلمين أن يسمحوا لأمثال هؤلاء الجهلة ، بالتطاول على كتاب اللّه ، وبتفسيره بما يخالف الظاهر ، ويجافي الحق والصواب ، زعما منهم أنه من نوع ( التفسير الاشاري ) فالتفسير له حدود وشروط ، وليس لكل انسان أن يقول فيه
هامش
( 1 ) الإحياء للغزالي باختصار .
( 2 ) سورة الأنعام ، الآية : 91 .