تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التبيان في علوم القرآن — صفحة 178

مساهمون:

ص١٧٨
الشريعة ، ولم يحترموا قوانين اللغة العربية ، في فهم أبلغ النصوص العربية ، كتاب اللّه وسنة رسوله . والأدهى من ذلك أنهم يتخيّلون للناس ، أنهم هم أهل الحقيقة الذين أدركوا الغاية ، واتصلوا باللّه اتصالا أسقط عنهم التكليف ، وسما بهم عن حضيض الأخذ بالأسباب ، ما داموا في زعمهم مع ربّ الأرباب ، وهذا - لعمر اللّه - هو المصاب العظيم ، الذي عمل له الباطنية كيما يهدموا التشريع من أصوله ، ويأتوا بنيانه من قواعده . فواجب النصح لإخواننا المسلمين يقتضينا أن نحذرهم الوقوع في هذه الشباك ، ونشير عليهم أن ينفضوا أيديهم من أمثال تلك التفاسير الإشارية الملتوية ، لأنها كلها أذواق ومواجيد خارجة عن حدود الضبط والتقييد ، وكثيرا ما يختلط فيها الخيال بالحقيقة ، والحق بالباطل ، فالأحرى بالفطن العاقل أن ينأى بنفسه عن هذه المزالق ، وأن يفرّ بدينه من هذه الشبهات ، وأمامه في الكتاب والسنة ، وشروحهما على قوانين الشريعة واللغة ، رياض وجنات
أَ تَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ
« 1 » ؟ .

كلمة حجة الإسلام الغزالي :

ويقول حجة الإسلام الغزالي رحمه اللّه في كتابه ( إحياء علوم الدين ) في فصل الذكر والتذكير ما نصّه : « وأمّا الشطح فنعني به صنفين من الكلام أحدثهما بعض الصوفية : أحدهما : الدعاوي الطويلة العريضة في العشق مع اللّه تعالى ، والوصال المغني عن الأعمال الظاهرة ، حتى ينتهي قوم إلى دعوى الاتحاد ، وارتفاع الحجاب ، والمشاهدة بالرؤية ، والمشافهة بالخطاب ، فيقولون : قيل لنا كذا وقلنا كذا ، ويتشبّهون فيه بالحسين ( الحلاج ) الذي صلب لأجل إطلاقه كلمات من هذا الجنس ، ويستشهدون بقوله : « أنا الحق » وهذا فنّ من الكلام عظيم ضرره على العوام ، حتى من نطق بشيء منه فقتله أفضل في دين اللّه من إحياء عشرة .
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، الآية : 61 . أنظر مناهل العرفان ، ج 1 ص 558 .