فالأولون : لا يمنعون إرادة الظاهر ، بل يقولون إنه هو الأصل والأساس ويحضّون عليه ويقولون : لا بدّ من معرفة الظاهر أولا ، إذ من ادّعى فهم أسرار القرآن ولم يحكم الظّاهر ، يكون كمن ادّعى بلوغ سطح البيت قبل أن يلج الباب .
وأما الباطنية : فإنهم يقولون : إن الظاهر غير مراد أصلا ، وإنما المراد الباطن وقصدهم من وراء هذا الكلام ، نفي الشريعة وإبطال الأحكام ، وهذا بلا شك إلحاد في الدين ، وقد قال اللّه تبارك وتعالى :
إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا ، أَ فَمَنْ يُلْقى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيامَةِ ، اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
« 1 » .
كلام السيوطي في الاتقان :
والعلامة السيوطي ذكر في كتابه ( الاتقان ) عن ابن عطاء النص الآتي : « اعلم أن التفسير من هذه الطائفة ( يعني التفسير الإشاري ) لكلام اللّه وكلام رسوله بالمعاني العربية ، ليس إحالة للظاهر عن ظاهره ، ولكن ظاهر الآية مفهوم منه ما جاءت الآية له ، ودلت عليه في عرف اللسان ، ولهم أفهام باطنة تفهم عند الآية والحديث ، لمن فتح اللّه قلبه .
فلا يصدّنك عن تلقي هذه المعاني منهم ، أن يقول لك ذو جدل ومعارضة هذا إحالة لكلام اللّه وكلام رسوله صلّى اللّه عليه وسلم ، فليس ذلك بإحالة ، وإنما يكون حالة لو قالوا : لا معنى للآية إلّا هذا ، وهم لم يقولوا ذلك ، بل يقرّرون الظواهر على ظواهرها ، مرادا بها موضوعاتها ، ويفهمون عن اللّه ما ألهمهم « 2 » أقول : هذا كلام الإنصاف ، فقد وضع الشيخ الحقّ في نصابه ، وجمع بين النصوص الظاهرة ، والمعاني الخفية الواردة ، التي تشرق على قلب المؤمن العارف باللّه ، كما كان الحال مع الصّديق وعمر ، ولا عجب فاللّه تعالى يعطي الحكمة من يشاء ، ويضع الفهم
هامش
( 1 ) سورة فصلت ، الآية : 40 .
( 2 ) أنظر : الإتقان ، ج 2 ص 185 .