تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التبيان في علوم القرآن — صفحة 145

مساهمون:

ص١٤٥
وهذا القول - بشقّيه - باطل ، لا بثبت أمام البحث ، ولا يتفق مع الواقع وذلك لعدة أسباب : أولا : لو كان هذا القول صحيحا لكان الإعجاز في ( الصّرفة ) لا في القرآن نفسه وهذا باطل بالإجماع . ثانيا : لو صحّ القول بالصّرفة لكان ذلك ( تعجيزا ) لا ( إعجازا ) لأنه حينئذ يشبه ما لو قطعنا لسان إنسان ثمّ كلفناه بعد ذلك بالكلام ، فهذا ليس من باب العجز وإنما هو من باب التعجيز .
( ألقاه في اليمّ مكتوفا وقال له * إيّاك إيّاك أن تبتلّ بالماء )
ثالثا : لو كان هناك صارف زهّدهم في المعارضة من ( كسل أو ملل ) لما وقفوا في وجه نبيّ الإسلام ، ولما آذوه وأصحابه ، ولما عذّبوا المسلمين وشرّدوهم ، ولما قاطعوا الرسول وعشيرته وحاصروهم في الشّعب حتى أكلوا ورق الشجر ، ولما فاوضوه وساوموه على أن يترك الدعوة ثم اضطروه إلى الهجرة هو وأصحابه الكرام ، إلى غير ما هناك من دوافع وبواعث جعلتهم يسلكون كل سبيل للقضاء على الإسلام . رابعا : لو كان هناك عارض مفاجئ عطّل مواهبهم البيانية لأعلنوا ذلك في الناس ، ليلتمسوا العذر لأنفسهم ، وبالتالي ليقللوا من شأن القرآن ، ولكانوا بعد نزول القرآن أقل فصاحة وبلاغة منهم قبل نزوله ، وهذا باطل واضح البطلان . خامسا : لو كان هذا العارض المفاجئ صحيحا لأمكننا نحن الآن ، وأمكن المشتغلين بالأدب العربي في كل عصر أن يعارضوا القرآن ، وأن يتبينوا الكذب في دعوى إعجازه . وكل هذه الأشياء باطلة فهل يرضى عاقل لنفسه ان يقول بعد ذلك كله : إن العرب كانوا مصروفين عن معارضة القرآن ونبيّ القرآن ، وأنهم كانوا مخلدين إلى العجز والكسل زاهدين في النزول لذلك الميدان ؟ ! وهل يصح لإنسان يحترم نفسه وعقله أن يصدّق بمثل هذا الافتراء القول بتعطيل المواهب والحواس ) بعد أن يستمع إلى شهادة ألدّ الأعداء من صناديد قريش وهو ( الوليد بن المغيرة ) حين قال كلمته المشهورة . . ( واللّه لقد سمعت آنفا كلاما ليس من كلام بشر ليس بشعر ولا نثر ولا
التبيان في علوم القرآن — صفحة 145 | محمد علي الصابوني