( أسيد ) فلما انتهى إليهما قال لهما : ما جاء بكما جئتما تسفّهان ضعفاءنا ؟ ثم توعّدهما وهدّدهما فقال : اعتزلا إن كانت لكما في أنفسكما حاجة ؟ فقال له ( مصعب ) رضي اللّه عنه : أو تجلس فتسمع ؟ فإن رضيت أمرا قبلته وإن كرهته كففنا عنك ما تكره ، فجلس أسيد وجعل مصعب يقرأ وهو يسمع ، فما انتهى من مجلسه حتى أسلم ، ثم كرّ راجعا إلى سعد فقال له ، واللّه ما رأيت بالرجلين بأسا ، وأخفى أمامه إسلامه ، فغضب ( سعد ) وقام بنفسه ثائرا مهتاجا ، فقال لهما : ما جاء بكما أجئتما تسفّهان ضعفاءنا ؟
اعتزلانا ، فقال له مصعب : أو تجلس فتسمع فإن رضيت أمرا قبلته منا وإن كرهته كففنا عنك ما تكره ، فقال أنصفتما ، فجعل مصعب يتلو القرآن عليه وسعد يستمع ، يقول ( مصعب ) : واللّه لقد كان وجه سعد يشرق بالإيمان وهو يستمع القرآن فما انتهى مصعب من القراءة حتى أعلن سيد الأوس إيمانه ، ثم كرّ راجعا فجمع قبيلته وقال لهم :
كيف تعدونني فيكم ؟ قالوا : سيدنا وابن سيدنا ، فقال لهم سعد : كلام رجالكم ونسائكم عليّ حرام حتى تسلموا بمحمد ، فدخلوا جميعا في الإسلام . . رضي اللّه عن سعد وأرضاه ! ! هكذا كان تأثير القرآن في قلوب الأولياء والأعداء ، ولا تنس قصة ( الوليد بن المغيرة ) و ( عتبة بن ربيعة ) وغيرهما ممن تأثروا بالقرآن ، ولولا حبّ الزعامة ، ولولا حبّ الجاه والسلطان لدخلوا جميعا في دين اللّه ، ولكنّ الهداية بيد اللّه
يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ
« 1 »
وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ
« 2 » .
ذكر صاحب تفسير المنار أن فيلسوفا من فلاسفة فرنسا ألف كتابا ردّ فيه ما زعمه دعاة النصرانية من أن محمدا صلّى اللّه عليه وسلم لم يأت بمثل آيات ( موسى وعيسى ) عليهما السلام ، ولم يكن له من الآيات الخوارق ما كان لمن قبله فقال ذلك الفيلسوف : إنّ محمدا كان يقرأ القرآن خاشعا مولها مدّلها ، صادعا ومتضرعا فيفعل في جذب القلوب إلى الإيمان به فوق ما كانت تفعله جميع آيات الأنبياء السابقين » انظر تفسير المنار .
هامش
( 1 ) سورة النحل ، الآية : 93 .
( 2 ) سورة النحل ، الآية : 125 .