ب - ويروى أن ( ابن المقفع ) الكاتب البليغ المشهور ، حاول أن يعارض القرآن ذات مرّة ، فسمع صبيا يقرأ قوله تعالى :
وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ ، وَيا سَماءُ أَقْلِعِي ، وَغِيضَ الْماءُ ، وَقُضِيَ الْأَمْرُ ، وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ ، وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
« 1 » فكسّر الأقلام ، ومزّق الصحف التي كان قد بدأ بها في المعارضة وقال :
هذا واللّه مما لا يستطيع البشر أن يأتوا بمثله ، فمزق ما جمع واستحيا على نفسه من إظهاره . .
وهكذا رجع الأديب الكبير البليغ عن عزمه ، بعد ان حدثته نفسه بمعارضة بعض سوره لأنه شعر بروعة القرآن . .
ثم انظر إلى الجزالة والايجاز في أسلوب القرآن ، وقارنها بأروع أسلوب نطق به عربي ، وهو أسلوب افصح من نطق بالضاد ، سيد المرسلين محمد بن عبد اللّه ، الذي شهد ببلاغته وفصاحته أعداؤه قبل أنصاره ، قارن بين ( القرآن والسنة النبوية ) تجد الفرق شاسعا ، والبون بعيدا ، كفرق ما بين السماء والأرض ، فبلاغة القرآن ونضارته وإشراقه في أعلى طبقات الإحسان ، وأرفع درجات الإيجاز والبيان ، تأمل قوله صلّى اللّه عليه وسلم في صفة الجنة وما فيها من نعيم وخلود : .
« فيها ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر . . . » الحديث ، وقارن بين هذه الألفاظ على روعتها وبين قوله تعالى في وصف نعيم أهل الجنة . .
وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ ، وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ . .
« 2 » الآية . وقوله تعالى
فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ
« 3 » فهذا أعدل وزنا ، وأحسن تركيبا ، وأعذب لفظا ، وأجزل عبارة ، وأقل حروفا . ! ! .
ووازن بين قوله صلّى اللّه عليه وسلم « كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ، الرجل راع في بيته
هامش
( 1 ) سورة هود ، الآية : 44 .
( 2 ) سورة الزخرف ، الآية : 71 .
( 3 ) سورة السجدة ، الآية : 17 .