البالغة ، ويطلع من خلالها بالبراهين الساطعة ، على وجوب الاعتصام ، بالعفاف ، والشرف ، والأمانة ، إذ قال في فصل من فصول تلك القصة الرائعة : .
وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ ، وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ ، وَقالَتْ : هَيْتَ لَكَ ، قالَ مَعاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ ، إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ
« 1 » . .
فتأمل في هذه الآية كيف قوبلت دواعي الغواية الثلاث ، بدواعي العفاف الثلاث ، مقابلة صورت من القصص الممتع جدالا عنيفا بين ( جند الرحمن ) و ( جند الشيطان ) ووضعتهما امام العقل المنصف في كفتي ميزان ! ! وهكذا تجد القرآن كلّه مزيجا حلوا سائغا ، يخفّف على النفوس ان تجرع الأدلة العقلية ، ويرفه عن العقول باللفتات العاطفية ، فهل تسعد بمثل هذا في كلام البشر ؟ لا ، ثم لا ، فكلام البشر إن وفي بحقّ العقل ، بخس العاطفة حقها ، وإن وفى بحقّ العاطفة بخس العقل حقه ، حتى لقد بات العرف العام يقسم الأساليب البشرية إلى قسمين ، لا ثالث لهما ( أسلوب علمي ) و ( أسلوب أدبي ) فطلاب العلم لا يرضيهم أسلوب الأدب ، وطلاب الأدب لا يرضيهم أسلوب العلم ، وهكذا تجد كلام العلماء والمحققين فيه من الجفاء والعري ، ما لا يهزّ القلوب ويحرّك النفوس ، وتجد في كلام الأدباء والشعراء ، من الهزال والعقم العلمي ما لا يغذي الأفكار ويقنع العقول ، اما القرآن فقد انفرد بهذه المزيّة بين أنواع الكلام ، لأنه تنزيل من القادر الذي لا يشغله شأن عن شأن
فَتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ
« 2 » . .
3 - الوجه الثالث من وجوه الاعجاز ،
ذلك الايجاز الرائع ، والجزالة « 3 » الخارقة التي ليس بإمكان مخلوق من البشر ان يحيط بها ، أو يأتي بمثلها لأنها فوق الطاقة البشرية ، والقدرة الانسانية . لقد كان البدوي ، راعي الغنم ، يسمع القرآن فيخر ساجدا للّه رب العالمين ، وذلك لروعة هذا الكتاب المجيد ، ولما يفعل به في نفوس السامعين ، وهو دليل رقة الإحساس ، ولطف الشعور من أولئك الرعاة الجفاة .
هامش
( 1 ) سورة يوسف ، الآية : 23 .
( 2 ) سورة غافر ، الآية : 64 . أنظر مناهل العرفان ، ص 210 .
( 3 ) المراد بالجزالة : الفخامة في الألفاظ ، والإجادة في التعبير مع قوة الحبك وعدم التعقيد .