تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التبيان في علوم القرآن — صفحة 119

مساهمون:

ص١١٩
وفي العبادات جاء القرآن العظيم بأسس العبادات ودعائمها ، فشرع الصلاة ، والصيام ، والحج ، والزكاة ، وسائر اعمال البرّ والطاعة ، وليست ( العبادة ) في الاسلام قاصرة على هذه الدعائم والأركان ، بل هي تشمل كل عمل خير ، وفعل برّ أو طاعة ، ولهذا فإن العلماء قرروا أن كل عمل يقصد به الإنسان وجه اللّه يكون عبادة ، وقالوا ( إن النية الصالحة تقلب العادة إلى عبادة ) فإذا عمل الإنسان واحترف له صنعة بقصد التعفف عن الحرام والإنفاق على أهله وعياله ، وإذا اكل أو شرب بقصد التقوّي على طاعة اللّه كان عمله عبادة يثاب عليها ، والأصل في هذا قول النبي الكريم « وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه اللّه إلا اجرت عليها ، حتى اللقمة تضعها في فيّ امرأتك ) الحديث « 1 » . وقوله صلّى اللّه عليه وسلم « وفي بضع أحدكم صدقة ، قالوا يا رسول اللّه : أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر ؟ قال : أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر ؟ فكذلك إذا وضعها في حلال كان له أجر » « 2 » وإذا امعنا النظر في أصول العبادات المفروضة نجد ان الإسلام قد وسّعها ونوّعها ، وجعلها ضروبا متفاوتة ، فمنها ما هو ( عبادة مالية ) كالزكاة والصدقات ، ومنها ما هو ( عبادة بدنية ) كالصلاة والصيام ، ومنها ما هو يجمع بين الامرين ( عبادة مالية وبدنيّة ) كالجهاد في سبيل اللّه يكون بالمال والنفس وهذا التنويع له مغزاه وحكمته السامية وذلك لئلا تألف النفس شيئا فتصبح لها عادة أو تملّ وتضجر من العبادة الواحدة . وفي مجال ( التشريع العام ) نجد القرآن العظيم قد وضع قواعد عامة في التشريع المدني ، والجنائي ، والسياسي ، والاقتصادي ، ووضع أسسا للتعامل الدولي في حالة السلم والحرب ، على أكمل وجه واعدل نظام ، ففي أمر المعاملات حرّم القرآن اكل أموال الناس بالباطل
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ
« 3 »
هامش
( 1 ) الحديث من رواية البخاري في قصة ( سعد بن أبي وقاص ) حين دخل الرسول صلّى اللّه عليه وسلم يزوره من وجع اشتد به . ( 2 ) الحديث من رواية مسلم ، وهو في باب كثرة طرق الخير وأوله : أن ناسا قالوا يا رسول اللّه ذهب أهل الدثور بالأجور . ( 3 ) سورة النساء ، الآية : 29 .
التبيان في علوم القرآن — صفحة 119 | محمد علي الصابوني