إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ ، وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ
« 1 » . .
ومن خصائص أسلوب القرآن العظيم انه يخاطب العقل والقلب معا ، ويجمع الحق والجمال معا ، انظر إليه وهو في معمعان إقامة الدليل العقلي على البعث والنشور في مواجهة المنكرين المكذبين ، كيف يسوق استدلاله سوقا يهز القلوب هزا ، ويمتع العاطفة امتاعا ، بما جاء في طيّ هذه الأدلة المسكتة المقنعة ، إذ قال سبحانه في سورة ( فصّلت ) : .
وَمِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً ، فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ ، إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى ، إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
« 2 » . واستمع إليه في سورة ( ق ) إذ يقول : .
وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ * وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ * رِزْقاً لِلْعِبادِ وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ الْخُرُوجُ
« 3 » . .
تأمل هذا الأسلوب البارع ، الذي اقنع العقل ، وامتع العاطفة في آن واحد ، حتى في الجملة التي هي بمثابة النتيجة من مقدمات الدليل ، إذ قال في الآية الأولى
إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى
وفي الآيات الأخيرة قال
كَذلِكَ الْخُرُوجُ
أي الخروج من القبور ، والبعث والنشور . .
يا للجمال الساحر ، ويا للإعجاز الباهر ، الذي يستقبل عقل الانسان وقلبه معا ، بأنصع الأدلة ، وأجمل البيان ، في هذه الكلمات المعدودات ! ! .
ثم أنظر إلى القرآن وهو يسوق قصة ( يوسف ) مثلا ، كيف يأتي في خلالها بالعظات
هامش
( 1 ) سورة الحجر ، الآية : 9 . أنظر : مناهل العرفان ، ج 2 ، ص 208 .
( 2 ) سورة فصلت ، الآية : 39 .
( 3 ) سورة ق ، الآيتان : 9 - 11 .