تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التبيان في علوم القرآن — صفحة 115

مساهمون:

ص١١٥

قصة الجارية والأصمعي : .

يروى أن ( الأصمعي ) خرج ذات يوم فلقي جارية خماسيّة أو سداسيّة ، وسمعها تنشد أبياتا من الشعر رائعة ، فأعجب بتلك الأبيات وهزّت منه النفس والقلب ، بجمال أسلوبها ، وروعة بيانها ، وفصاحة ألفاظها ، فقال لها : قاتلك اللّه ما أفصحك ؟ فقالت له : ويحك أو يعد هذا فصاحة بعد قول اللّه تبارك وتعالى
وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ ، فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ ، وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ
« 1 » ثم قالت له : فقد جمعت هذه الآية على وجازتها بين أمرين ، ونهيين ، وخبرين ، وبشارتين « 2 » . . الخ . قال الأصمعي فأعجبت بفهمها وإدراكها أكثر ما أعجبت بشعرها ، فهي جارية بدوية صغيرة السن ولكنها واسعة العلم والفهم ، أما الأبيات التي كانت تنشدها فهي قولها : .
( أستغفر اللّه لذنبي كلّه * قبّلت إنسانا بغير حلّه ) ( مثل الغزال ناعما في دلّه * وانتصف الليل ولم أصلّه )
وقد أشارت هذه الجارية على الأصمعي بروعة ما في القرآن من بلاغة وفصاحة ، وإيجاز وإعجاز ، فالآية الكريمة جمعت بين امرين وهما ( أرضعيه ) و ( ألقيه في اليمّ ) ونهيين وهما ( لا تخافي ) و ( لا تحزني ) وخبرين وهما ( أوحينا ) و ( خفت ) وبشارتين وهما ( إنا رادّوه إليك ) و ( جاعلوه من المرسلين ) فالبشارة الأولى برده إليها سليما كريما ، والبشارة الثانية وهي أن اللّه سبحانه وتعالى سيجعله رسولا هاديا . فانظر - رعاك اللّه - كيف أدركت هذه الجارية البدوية ، بفطرتها العربية ، سرا من أسرار هذا الايجاز والاعجاز ، وانتبهت إلى ما لم يدركه هو من أسرار هذا القرآن ، فكأنّ الآية نظمت في عقد من اللؤلؤ والمرجان ، فكانت لآلئها بميزان . .
هامش
( 1 ) سورة القصص ، الآية : 7 . ( 2 ) القصة ذكرها القرطبي في تفسيره الجزء الثالث عشر ص 252 ، وذكرها صاحب المنار في الجزء الأول ص 28 والمراد بقوله ( خماسية أو سداسية ) أي طولها خمسة أو ستة أشبار . أي أنها معتدلة القامة .