التهافت والتعثر ، ولأعنتك ان تجيء منها بلفظ ، أو نظم فصيح . .
من ذلك يخلص لنا أن القرآن الكريم إنما ينفرد بأسلوبه ، لأنه ليس وضعا انسانيا البتة ، ولو كان من وضع انسان لجاء على طيقة تشبه أسلوبا من أساليب العرب ، أو من جاء بعدهم إلى هذا العهد
وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً
« 1 » ولقد أحس العرب بهذا المعنى ، واستيقنه بلغاؤهم ، ولولاه ما افحموا ، ولا انقطعوا من دونه ، لأنهم رأوا جنسا من الكلام غير ما تؤديه طباعهم ، وكيف لهم في معارضته بطبيعة غير مخلوقة « 2 » ؟ ! . .
ويقول المرحوم فضيلة الشيخ ( الزرقاني ) في موضوع خصائص أسلوب القرآن : .
( للقرآن مسحة خلابة عجيبة ، تتجلّى في نظامه الصّوتي ، وجماله اللغوي . . ونريد بنظام القرآن الصوتي : اتساق القرآن وائتلافه في حركاته وسكناته ، ومدّاته وغنّاته ، واتصالاته وسكتاته ، اتساقا عجيبا ، وائتلافا رائعا ، يسترعي الاسماع ويستهوي النفوس ، بطريقة لا يمكن أن يصل إليها أي كلام آخر من منظوم ومنثور . .
ونريد بجمال القرآن اللغوي ، تلك الظاهرة العجيبة التي امتاز بها القرآن في وصف حروفه وترتيب كلماته ، ترتيبا دونه كل ترتيب تعاطاه الناس في كلامهم ، ولقد وصل هذا الجمال اللغوي إلى قمة الاعجاز ، بحيث لو دخل في القرآن شيء من كلام الناس ، لاعتلّ مذاقه في أفواه قارئيه ، واختل نظامه في آذان سامعيه ، ومن عجيب أمر هذا الجمال اللغوي ، وذلك النظام الصوتي ، انهما كما كانا دليل اعجاز من ناحية ، كانا سورا منيعا لحفظ القرآن من ناحية أخرى ، وذلك ان من شأن الجمال اللّغويّ ، والنظام الصوتي ، ان يسترعي الاسماع ، ويثير الانتباه ، ويحرّك داعية الإقبال في كل إنسان ، إلى هذا القرآن الكريم ، وبذلك يبقى أبد الدهر سائدا على ألسنة الخلق وفي آذانهم ، ويعرف بذاته ومزاياه بينهم فلا يجرؤ أحد على تغييره وتبديله ، مصداقا لقوله سبحانه :
هامش
( 1 ) سورة النساء ، الآية : 82 .
( 2 ) إعجاز القرآن للرافعي ، ص 261 .