تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التبيان في علوم القرآن — صفحة 111

مساهمون:

ص١١١
إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ
« 1 » وذلك لان لفظ ( الباء ) شديد مجتمع ، ولا يفضي إلى هذه الشدّة الا من اللام الشديدة المسترخية ، فلما لم تحسن اللفظة اسقطها من نظمه بتّة . . وكذلك لفظ ( الكوب ) استعملت فيه مجموعة ، ولم يأت بها مفردة ، لأنه لا يتهيأ فيها ما يجعلها في النطق - من الظهور والرقّة والانكشاف وحسن التناسب - كلفظ ( أكواب ) الذي هو الجمع ، و ( الارجاء ) لم يستعمل القرآن لفظها إلا مجموعا ، وترك المفرد وهو الرّجا : اي الجانب لعلة لفظه ، وانه لا يسوغ في نظمه كما ترى . . وعكس ذلك لفظة ( الأرض ) فإنها لم ترد فيه الا مفردة ، ولم يرد في القرآن صيغة الجمع ( أرضين ) ولما احتاج إلى جمعها اخرجها على هذه الصورة التي ذهبت بسر الفصاحة ، وذهب بها حتى خرجت من الروعة بحيث يسجد لها كل فكر سجدة طويلة ، وذلك في قوله تعالى :
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ ، يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ
« 2 » ولم يقل ( وسبع أرضين ) لهذه الجسأة التي تدخل للفظ ، ويختل بها النظم اختلالا . . . 4 - وتأمل قوله تعالى
فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ ، وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ ، وَالضَّفادِعَ ، وَالدَّمَ ، آياتٍ مُفَصَّلاتٍ
« 3 » فإنها خمسة أسماء ، أخفها في اللفظ ( الطوفان ، والجراد ، والدم ) وأثقلها ( القمّل والضفادع ) فقدّم ( الطوفان ) لمكان المدّين فيها ، حتى يأنس اللسان بخفتها ، ثم ( الجراد ) وفيها كذلك مدّ ، ثم جاء باللفظين الشديدين مبتدئا باخفهما في اللسان ، وابعدهما في الصوت لمكان تلك الغنّة فيه ، ثم جيء بلفظة ( والدم ) آخرا ، وهي أخف الخمسة وأقلها حروفا ، ليسرع اللّسان فيها ، ويستقيم لها ذوق النظم ، ويتم بها هذا الاعجاز في التركيب ، وأنت فمهما قلّبت هذه الأسماء الخمسة ، فإنك لا ترى لها فصاحة الا في هذا الوضع ، فلو قدّمت أو أخرت لبادرك
هامش
( 1 ) سورة ق ، الآية : 37 . ( 2 ) سورة الطلاق ، الآية : 12 . ( 3 ) سورة الأعراف ، الآية : 133 .