تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التبيان في علوم القرآن — صفحة 110

مساهمون:

ص١١٠
السمع ، وتأمّل مواضع القلقة في دال ( لقد ) وفي الطاء من ( بطشتنا ) وفي الفتحات المتوالية فيما وراء الطاء إلى الواو من قوله ( بطشتنا فتماروا ) مع الفصل بالمد ، ليكون ثقل الضمّة عليه مستخفا بعد ، ولتكون هذه الضمة قد أصابت موضعها كما تكون الاحماض في الأطعمة . 2 - وفي القرآن لفظة غريبة هي من اغرب ما فيه ، وما حسنت في كلام قط الا في موقعها فيه ، وهي كلمة ( ضيزى ) من قوله تعالى
تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى
ومع ذلك فإن حسنها في نظم الكلام من أغرب الحسن ومن أعجبه ، ولو أردت اللغة العربية ما صلح لهذا الموضع غيرها ، فإن السورة التي هي منها وهي سورة ( النجم ) مفصّلة كلها على الياء ، فجاءت الكلمة فاصلة من الفواصل ، ثمّ هي في معرض الإنكار على العرب ، إذ وردت في ذكر الأصنام ، وزعمهم في قسمة الأولاد ، فإنهم جعلوا الملائكة والأصنام بنات للّه ، مع وأدهم للبنات فقال تعالى
أَ لَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى * تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى
« 1 » فكانت غرابة اللفظة أشد الأشياء ملاءمة لغرابة هذه القسمة التي أنكرها ، وكانت الجملة كلها كأنها تصوّر في هيئة النطق بها ، الإنكار في الأولى ، والتهكم في الأخرى ، وكان هذا التصوير أبلغ ما في البلاغة ، وخاصة في اللفظة الغريبة التي تمكنت في موضعها من الفصل . . 3 - ومما لا يسعه طوق انسان في نظم الكلام البليغ ، ثم مما يدل على أن نظم القرآن مادة فوق الصنعة ، ومن وراء الفكر ، وكأنها صبّت على الجملة صبا ، انك ترى بعض الالفاظ لم يأت فيه لا مجموعا ، ولم يستعمل منه صيغة المفرد ، فإذا احتاج إلى هذه الصيغة استعمل مرادفها ، كلفظة ( اللب ) فإنها لم ترد إلا مجموعة كقوله تعالى
إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ
« 2 » وقوله
وَلِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ
« 3 » ونحوهما ولم ترد فيه مفردة ، بل جاء مكانها ( القلب ) في قوله تعالى
هامش
( 1 ) سورة النجم ، الآيتان : 21 ، 22 . ( 2 ) سورة الزمر ، الآية : 21 . ( 3 ) سورة إبراهيم ، الآية : 52 .