الكهنة ، فما هو بقولهم ، ولقد وضعت قوله على أقراء الشعر ( يريد أنواعه وبحوره ) فلم يلتئم على لسان أحد منهم أنه شعر ، واللّه إنهم لكاذبون وإنه لصادق « 1 » .
4 - وأخرج ابن إسحاق في السيرة ( أن أبا جهل قال في ملأ من قريش : لقد التبس علينا أمر محمد ، فلو التمستم لنا رجلا عالما بالشعر ، والكهانة ، والسحر ، فكلّمه ثم أتانا ببيان عن أمره ؟ فقال ( عتبة بن ربيعة ) - ومن من أشراف القوم وسادتهم - أنا أقوم إليه وأكلّمه ! فأتاه فقال يا محمد : أنت خير أم هاشم ؟ أنت خير أم عبد المطلب ؟
أنت خير أم عبد اللّه ؟ فبم تشتم آلهتنا وتضلّلنا ؟ فإن كنت تريد الرئاسة ، عقد لك اللواء فكنت رئيسنا ، وإن كنت تريد النساء زوجناك ما تشاء منهن ، تختار من أي بنات قريش ما شئت ، وإن كنت تريد المال جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أغنانا وأكثرنا مالا ، والنبي صلّى اللّه عليه وسلم ساكت لا يجيبه ، فلمّا فرغ من عرضه ، قال له النبي صلّى اللّه عليه وسلم : أفرغت ؟
قال : نعم ، قال فاسمع إذا فتلا عليه سورة فصلت
حم * تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ . .
الخ حتى بلغ قوله تعالى
فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً . .
« 2 » الآية فأمسك عتبة على فيه وناشده بالرحم أن يكفّ ، ورجع إلى أهله ولم يخرج إلى قريش ، فلما احتبس عنهم قالوا : ما نرى عتبة إلا قد صبأ ! فانطلقوا إليه وقالوا يا عتبة : ما حبسك عنّا إلا أنك قد صبأت ، فغضب ثم قال لهم : واللّه لقد كلمته فأجابني بشيء واللّه ما هو بشعر ، ولا بسحر ، ولا بكهانة ، وقد ناشدته بالرجم أن يكفّ خشية أن ينزل بكم العذاب ، وقد علمتم أن محمدا إذا قال شيئا لم يكذب . . . ) « 3 »
قال العلامة ( القرطبي ) رحمه اللّه ( وإذا اعترف عتبة على موضعه من اللّسان ، وموضعه من الفصاحة والبلاغة ، بأنه
هامش
( 1 ) أنظر تفسير القرطبي ج 1 ص 73 .
( 2 ) سورة فصلت ، الآيات : 1 - 13 .
( 3 ) أنظر الكشاف ، ج 4 ، ص 192 .