منكر له ، قال : وما ذا أقول ؟ فو اللّه ما فيكم رجل أعلم بالشعر مني ، لا برجزه ، ولا بقصيده ، ولا بأشعار الجنّ ، واللّه ما يشبه هذا الذي يقول شيئا من هذا ، وو اللّه إن لقوله لحلاوة وإنّ عليه لطلاوة ، وإنّ أعلاه لمثمر ، وإنّ أسفله لمغدق ، وإنه ليعلو وما يعلى عليه . . فقال أبو جهل اللعين : واللّه ما يرضى قومك حتى تقول فيه ، قال : فدعني حتى أفكّر ، فلمّا فكّر قال :
إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ
فنزل فيه قول اللّه تعالى
ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً * وَجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُوداً . .
إلى قوله :
إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقالَ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ
« 1 » 2 - ويروى أن ( الوليد ) لمّا سمع القرآن من النبي صلّى اللّه عليه وسلم تأثّر تأثرا بالغا فجاء لقومه ( بني مخزوم ) وقال لهم : واللّه لقد سمعت من محمد آنفا ( أي سابقا ) كلاما ما هو من كلام الإنس ، ولا من كلام الجن ، واللّه إن له لحلاوة ، وإن عليه لطلاوة . . .
الخ . فقالت قريش : صبأ واللّه الوليد ، لتصبأنّ قريش كلها ، فقال أبو جهل : أنا أكفيكموه ، فقعد إليه حزينا وكلّمه بما أغاظه ، فقام الوليد وقام معه أبو جهل ، فلمّا أتى قومه قال : تزعمون أن محمدا مجنون فهل رأيتموه يخنق ؟ وتقولون إنه كاهن فهل رأيتموه يتكهّن ؟ وتزعمون أنه شاعر ، فهل رأيتموه يتعاطى شعرا قط ؟ وتزعمون أنه كذّاب فهل جرّبتم عليه شيئا من الكذب ؟ فقالوا في كل ذلك . اللّهم لا . . . ثمّ قالوا :
فما هو ؟ ففكّر ، فقال : ما هو إلا ساحر ، أما رأيتموه يفرّق بين الرجل وأهله ، وبين الوالد وولده ، وما الذي يقوله إلا سحر يأثره ( أي ينقله ) عن أهل بابل ، فارتجّ النادي فرحا ، وتفرقوا معجبين بقوله ، متعجبين منه فنزلت الآيات الكريمة « 2 » 3 - وفي صحيح مسلم أن ( أنيسا الغفاري ) أخا أبي ذرّ ، قال لأبي ذرّ : لقيت رجلا بمكة على دينك ، يزعم أن اللّه أرسله ، قلت : فما يقول الناس : قال يقولون :
شاعر ، ساحر ، كاهن ، وكان ( أنيس ) أحد الشعراء قال أنيس : لقد سمعت قول
هامش
( 1 ) سورة المدثر ، الآيات : 11 - 25 . رواه البيهقي في دلائل النبوة .
( 2 ) أنظر الكشاف ، ج 4 ص 649 .