الإعجاز كان بالصرفة ، وهي أن اللّه صرف العرب عن معارضة القرآن مع قدرتهم عليها ، فكان هذا الصرف خارقا للعادة وقال ( المرتضى من الشيعة ) : بل معنى الصّرفة أن اللّه سلبهم العلوم التي يحتاج إليها في المعارضة ليجيئوا بمثل القرآن . . فكأنه يقول :
إنهم بلغاء يقدرون على مثل النظم والأسلوب ولا يستطيعون ما وراء ذلك مما لبسته ألفاظ القرآن من المعاني ، إذ لم يكونوا أهل علم ، ولا كان العلم في زمنهم . . وهذا رأي بيّن الخلط كما ترى ! ثم قال : وعلى الجملة فإنّ القول بالصرفة لا يختلف عن قول العرب فيه
إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ
« 1 » وهذا زعم ردّه اللّه على أهله ، وأكذبهم فيه ، وجعل القول به ضربا من العمى
أَ فَسِحْرٌ هذا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ
« 2 » وعلى ذلك المذهب الفاسد يمكن أن يقال : إن المعجز ليس هو القرآن الكريم على حد زعمهم إنما هو ( الصّرفة ) التي بسببها عجزوا عن الاتيان بمثله
صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ
« 3 » . وقد أسفّ ( ابن حزم ) الظاهري حين سلك ذلك المسلك الملتوي ، وذهب إلى ما ذهب إليه سلفه ( النظّام ) من سخف الكلام ، ولكن بأسلوب رشيق رقيق حيث يقول في كتابه ( الفصل ) في سبب الإعجاز ما نصّه :
( لم يقل أحد إن كلام اللّه تعالى غير معجز ، ولكن لمّا قاله اللّه تعالى ، وجعله كلاما له أصاره معجزا ، ومنع من مماثلته ، وهذا برهان كاف لا يحتاج إلى غيره ) فأنت ترى صاحب هذا الرأي يجعل القرآن الكريم معجزا بمنع اللّه عزّ وجل من ممايلته وهذا عين رأي النظّام الذي يقول بالصّرفة ، وهو رأي باطل كما أسلفنا ، والقوم محجوبون عن ضياء الحق الساطع ، وما أجمل قول القائل :
قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد * وينكر الفم طعم الماء من سقم
هامش
( 1 ) سورة المدثر ، الآية : 24 .
( 2 ) سورة الطور ، الآية : 15 . 1 انظر ، إعجاز القرآن للرافعي ص 164 .
( 3 ) سورة التوبة ، الآية : 127 .