وأنه إن خاف بسبب الجهر شيئا مما يكره ، لم يجهر ، وإن لم يخف ، استحبّ له الجهر ، فإن كانت القراءة في جماعة مجتمعين ، تأكّد استحباب الجهر لما قدّمناه ، ولما يحصل فيه من نفع غيرهم ، واللّه أعلم .
فصل في استحباب تحسين الصوت بالقرآن
أجمع العلماء رضي اللّه عنهم من السّلف والخلف من الصحابة والتابعين ، ومن بعدهم ، من علماء الأمصار أئمة المسلمين ، على استحباب تحسين الصوت بالقرآن ، وأقوالهم وأفعالهم مشهورة نهاية الشّهرة ، فنحن مستغنون عن نقل شيء من أفرادها . ودلائل هذا من حديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مستفيضة عند العامة والخاصة ، كحديث : « زيّنوا القرآن بأصواتكم » وحديث : « لقد أوتي مزمارا » . وحديث : « ما أذن اللّه » . وحديث : « للّه أشدّ أذنا » . وقد تقدّمت كلّها في الفصل السابق « 1 » ، وتقدّم في فصل الترتيل حديث عبد اللّه بن مغفّل في ترجيع النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم القراءة « 2 » . وكحديث سعد بن أبي وقاص ، وكحديث أبي لبابة رضي اللّه عنهما أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « من لم يتغنّ بالقرآن ، فليس منّا » رواهما أبو داود بإسنادين جيدين « 3 » ، وفي إسناد سعد اختلاف لا يضرّ . قال جمهور العلماء : معنى لم يتغنّ : لم يحسّن صوته به .
وحديث البراء رضي اللّه عنه قال : سمعت النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قرأ في العشاء بالتين والزيتون ، فما سمعت أحدا أحسن صوتا منه . رواه البخاريّ ومسلم « 4 » .
هامش
( 1 ) تقدم ص 105 - 107 .
( 2 ) تقدم ص 93 .
( 3 ) سنن أبي داود ( 1470 ) و ( 1471 ) . وقد أخرجه البخاري ( 7527 ) ، من حديث أبي هريرة ، وانظر تتمة تخريج حديث سعد في « مسند » أحمد ( 1476 ) .
( 4 ) صحيح البخاري ( 769 ) ، وصحيح مسلم ( 464 ) ( 177 ) ، وهو في « مسند » أحمد ( 18566 ) .