وقد نقل عن جماعة من السّلف اختيار الإخفاء ، لخوفهم مما ذكرناه :
فعن الأعمش « 1 » قال : دخلت على إبراهيم « 2 » وهو يقرأ في المصحف ، فاستأذن عليه رجل فغطّاه ، وقال : لا يرى هذا أني كنت أقرأ كلّ ساعة .
وعن أبي العالية « 3 » قال : كنت جالسا مع أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ورضي عنهم ، فقال رجل : قرأت الليلة كذا ، فقالوا : هذا حظّك منه .
ويستدل هؤلاء بحديث عقبة بن عامر « 4 » رضي اللّه عنه قال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « الجاهر بالقرآن ، كالجاهر بالصّدقة ، والمسرّ بالقرآن ، كالمسرّ بالصّدقة » . رواه أبو داود والترمذيّ والنسائيّ « 5 » . قال الترمذيّ : هذا حديث حسن .
قال الترمذي : معنى هذا الحديث أن الذي يسرّ بقراءة القرآن أفضل من الذي يجهر بها . لأن صدقة السّرّ أفضل عند أهل العلم من صدقة العلانية ، قال :
وإنما معنى هذا عند أهل العلم ، لكي يأمن الرجل من العجب ، لأن الذي يسرّ بالعمل لا يخاف عليه من العجب ، كما يخاف عليه من علانيته .
قلت : وكلّ هذا موافق لما تقدّم تقريره في أول الفصل من التفصيل ،
هامش
( 1 ) هو سليمان بن مهران أبو محمد الأسدي الكاهلي مولاهم ، الكوفي ، شيخ المقرئين والمحدّثين ، رأى أنس بن مالك ، مات سنة ( 148 ه ) . « السير » 6 / 226 .
( 2 ) هو ابن يزيد النّخعي ، وقد سلفت ترجمته ص 68 .
( 3 ) هو رفيع بن مهران ، البصري ، المقرئ ، المفسر ، أدرك زمان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وأسلم في خلافة أبي بكر الصديق ، مات سنة ( 93 ه ) . « السير » 4 / 207 .
( 4 ) هو الجهني ، صاحب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، كان عالما مقرئا فصيحا ، فقيها فرضيا ، شاعرا كبير الشأن ، وكان البريد إلى عمر بفتح دمشق ، مات بمصر سنة ( 58 ) ، وقبره بالمقطّم .
« السير » 2 / 467 .
( 5 ) سنن أبي داود ( 1333 ) ، وسنن الترمذي ( 2919 ) ، و « المجتبى » 5 / 80 ، وهو حديث صحيح ، وانظر تتمة تخريجه في « مسند » أحمد ( 17368 ) .