تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البدائع في علوم القرآن — صفحة 475

مساهمون:

ص٤٧٥
موجب يوجب صرف الكلام عن الخبر إلى النهي . الوجه الثامن : أنه قال
إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ
ولم يقل إلا المتطهرون . ولو أراد به منع المحدث من مسه لقال : إلا المتطهرون ، كما قال تعالى :
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ
( 222 ) [ البقرة ] ، وفي الحديث « اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين » « 1 » ، فالمتطهر فاعل التطهير ، والمطهر الذي طهره غيره ، فالمتوضئ متطهر والملائكة مطهرون . الوجه التاسع : أنه لو أريد به المصحف الذي بأيدينا لم يكن في الإخبار عن كونه مكنونا كبير فائدة ، إذ مجرد كون الكلام مكنونا في كتاب ، لا يستلزم ثبوته ، فكيف يمدح القرآن بكونه مكنونا في كتاب ، وهذا أمر مشترك ، والآية إنما سيقت لبيان مدحه وتشريفه ، وما اختص به من الخصائص التي تدل على أنه منزل من عند اللّه ، وأنه محفوظ مصون ، لا يصل إليه شيطان بوجه ما ، ولا يمس محله إلا المطهرون ، وهم السفرة الكرام البررة . الوجه العاشر : ما رواه سعيد بن منصور في سننه : حدثنا أبو الأحوص ، حدثنا عاصم الأحول ، عن أنس بن مالك في قوله :
لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ
( 79 ) قال : المطهرون الملائكة . . وهذا عند طائفة من أهل الحديث في حكم المرفوع ، قال الحاكم : تفسير الصحابة عندنا في حكم المرفوع ، ومن لم يجعله مرفوعا فلا ريب أنه عنده أصح من تفسير من بعد الصحابة ، والصحابة أعلم الأمة بتفسير القرآن ، ويجب الرجوع إلى تفسيرهم . وقال حرب في مسائله : سمعت إسحاق في قوله :
لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ
( 79 ) قال : النسخة التي في السماء لا يمسها إلا المطهرون ، قال : الملائكة . وسمعت شيخ الإسلام يقرر الاستدلال بالآية على أن المصحف لا يمسه المحدث بوجه آخر فقال : هذا من باب التنبيه والإشارة ، إذ كانت الصحف التي في السماء لا يسمها إلا المطهرون ، فكذلك الصحف التي بأيدينا من القرآن لا ينبغي أن يمسها إلا طاهر ، والحديث مشتق من هذه الآية .
هامش
( 1 ) رواه الترمذي ( 55 ) في أبواب الطهارة ، باب : فيما يقال بعد الوضوء ، عن أبي إدريس الخولاني عن عمر عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « من توضأ فأحسن الوضوء ، ثم قال : أشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين . فتحت له ثمانية أبواب الجنة يدخل من أيها شاء » قال الترمذي : « وهذا حديث في إسناده اضطراب . ولا يصح عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في هذا الباب كثير شيء . قال البخاري : أبو إدريس لم يسمع من عمر شيئا » .
البدائع في علوم القرآن — صفحة 475 | ابن قيم الجوزية