الصلاة وخارجها ، فكما لا يشترط الوضوء لهذه الأمور - وإن كانت من أجزاء الصلاة - فكذا لا يشترط للسجود ، وكونه جزءا من أجزائها لا يوجب ألا يفعل إلا بوضوء .
واحتج البخاري بحديث ابن عباس أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : سجد بالنجم ، وسجد معه المسلمون ، والمشركون والجن والإنس « 1 » ومعلوم أن الكافر لا وضوء له .
قالوا : وأيضا ، فالمسلمون الذين سجدوا معه صلّى اللّه عليه وسلّم لم ينقل أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أمرهم بالطهارة ، ولا سألهم : هل كنتم متطهرين أم لا ؟ ولو كانت الطهارة شرطا فيه للزم أحد الأمرين : إما أن يتقدم أمره لهم بالطهارة ، وإما أن يسألهم بعد السجود ، ليبين لهم الاشتراط ، ولم ينقل مسلم واحدا منهما .
فإن قيل : فلعل الوضوء تأخرت مشروعيته عن ذلك ، وهذا جواب بعض الموجبين .
قيل : الطهارة شرعت للصلاة من حين المبعث ، ولم يصلّ قط إلا بطهارة ، أتاه جبريل عليه السّلام فعلمه الطهارة والصلاة . وفي حديث إسلام عمر أنه لم يمكن من مس القرآن إلا بعد تطهره « 2 » ، فكيف تظن أنهم كانوا يصلون بلا وضوء ؟
قالوا : وأيضا فيبعد جدا أن يكون المسلمون كلهم إذ ذاك على وضوء !
قالوا : وأيضا ، ففي الصحيحين عن عبد اللّه بن عمر قال : كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقرأ القرآن ، فيقرأ السورة فيها السجدة فيسجد ، ونسجد معه ، حتى ما يجد بعضنا موضعا لمكان جبهته « 3 » .
قالوا : وقد كان يقرأ القرآن عليهم في المجامع كلها ، ومن البعيد جدا أن يكون كلهم إذ ذاك على وضوء ، وكانوا يسجدون حتى لا يجد بعضهم مكانا لجبهته ، ومعلوم أن مجامع الناس تجمع المتوضئ وغيره .
قالوا : وأيضا ، فقد أخبر - اللّه تعالى - في غير موضع من القرآن : أن السحرة سجدوا للّه سجدة ، فقبلها اللّه منهم ومدحهم عليها ، ولم يكونوا متطهرين قطعا ، ومنازعونا يقولون مثل هذا السجود حرام ، فكيف يمدحهم ويثني عليهم بما لا يجوز ؟ فإن قيل : شرع من قبلنا ليس بشرع لنا . قيل : قد احتج الأئمة الأربعة بشرع من قبلنا ، وذلك منصوص عنهم أنفسهم في غير موضع .
هامش
( 1 ) البخاري ( 4862 ) في التفسير ، باب : فاسجدوا لله واعبدوا .
( 2 ) ابن هشام ( 1 / 371 ، 372 ) .
( 3 ) البخاري ( 1075 ) في سجود القرآن ، باب : من سجد سجود القارئ ، ومسلم ( 575 / 103 ) في المساجد ومواضع الصلاة ، باب : سجود التلاوة .