تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البدائع في علوم القرآن — صفحة 474

مساهمون:

ص٤٧٤
أنه بأيديهم يمسونه ، وهذا هو الصحيح في معنى الآية ، ومن المفسرين من قال : إن المراد به أن المصحف لا يمسه إلا طاهر . والأول أرجح لوجوه : أحدهما : أن الآية سيقت تنزيها للقرآن أن تنزل به الشياطين ، وأن محله لا يصل إليه فيمسه إلا المطهرون ، فيستحيل على أخابث خلق اللّه ، وأنجسهم أن يصلوا إليه أو يمسوه ، كما قال تعالى :
وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ ( 210 ) وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ ( 211 )
كِرامٍ بَرَرَةٍ
( 16 ) [ الشعراء ] ، فنفي الفعل وتأتيه منهم ، وقدرتهم عليه ، فما فعلوا ذلك ولا يليق بهم ، ولا يقدرون عليه ، فإن الفعل قد ينتفي عمن يحسن منه ، وقد يليق بمن لا يقدر عليه ، فنفى عنهم الأمور الثلاثة ، وكذلك قوله في سورة عبس :
فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ ( 13 ) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ ( 14 ) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ ( 15 ) كِرامٍ بَرَرَةٍ
( 16 ) [ عبس ] ، فوصف محله بهذه الصفات بيانا أن الشيطان لا يمكنه أن يتنزل به ، وتقرير هذا المعنى أهم وأجل وأنفع من بيان كون المصحف لا يمسه إلا طاهر . الوجه الثاني : أن السورة مكية ، والاعتناء في السور المكية إنما هو بأصول الدين ، من تقرير التوحيد والمعاد والنبوة ؛ وأما تقرير الأحكام والشرائع فمظنة السور المدنية . الوجه الثالث : أن القرآن لم يكن في مصحف عند نزول هذه الآية ، ولا في حياة رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم ، وإنما جمع في المصحف في خلافة أبي بكر ، وهذا إن جاز أن يكون باعتبار ما يأتي ، فالظاهر أنه إخبار بالواقع حال الأخبار ، يوضحه : الرابع : وهو قوله :
فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ
( 78 ) ، والمكنون : المصون المستور عن الأعين الذي لا تناله أيدي البشر ، كما قال تعالى :
كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ
( 49 ) [ الصافات ] ، وهكذا قال السلف . قال الكلبي : مكنون من الشياطين ، وقال مقاتل : مستور ، وقال مجاهد : لا يصيبه تراب ولا غبار . وقال أبو إسحاق : مصون في السماء يوضحه . الوجه الخامس : أن وصفه بكونه مكنونا نظير وصفه بكونه محفوظا فقوله :
فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ
( 78 ) كقوله :
بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ ( 21 ) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ
( 22 ) [ البروج ] يوضحه . الوجه السادس : أن هذا أبلغ في الرد على المكذبين ، وأبلغ في تعظيم القرآن ، من كون المصحف لا يمسه محدث . الوجه السابع : قوله :
لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ
( 79 ) بالرفع ، فهذا خبر لفظا ومعنى ، ولو كان نهيا لكان مفتوحا ، ومن حمل الآية على النهي احتاج إلى صرف الخبر عن ظاهره إلى معنى النهي ، والأصل في الخبر والنهي حمل كل منهما على حقيقته ، وليس هاهنا
البدائع في علوم القرآن — صفحة 474 | ابن قيم الجوزية