القرآن حق وصدق
ومن شهادته أيضا : ما أودعه في قلوب عباده : من التصديق الجازم ، واليقين الثابت ، والطمأنينة بكلامه ووحيه . فإن العادة تحيل حصول ذلك بما هو من أعظم الكذب ، والافتراء على رب العالمين ، والإخبار عنه بخلاف ما هو عليه من أسمائه وصفاته . بل ذلك يوقع أعظم الريب والشك . وتدفعه الفطر والعقول السليمة ، كما تدفع الفطر - التي فطر عليها الحيوان - الأغذية الخبيثة الضارة التي لا تغذى . كالأبوال والأنتان . فإن اللّه - سبحانه - فطر القلوب على قبول الحق والانقياد له ، والطمأنينة به ، وعدم السكون إليه . ولو بقيت الفطر على حالها لما آثرت على الحق سواه ، ولما سكنت إلا إليه ، ولا اطمأنت إلا به ، ولا أحبت غيره .
ولهذا ندب اللّه عز وجل عباده إلى تدبر القرآن ، فإن كل من تدبره أوجب له تدبره علما ضروريا ويقينا جازما : أنه حق وصدق . بل أحق كل حق ، وأصدق كل صدق . وأن الذي جاء به أصدق خلق اللّه ، وأبرهم ، وأكملهم علما وعملا ، ومعرفة . كما قال تعالى :
أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً
( 82 ) [ النساء ] ، وقال تعالى :
أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها
( 24 ) [ محمد ] فلو رفعت الأقفال عن القلوب لباشرتها حقائق القرآن ، واستنارت فيها مصابيح الإيمان . وعلمت علما ضروريا يكون عندها كسائر الأمور الوجدانية - من الفرح ، والألم ، والحب ، والخوف - أنه من عند اللّه ، تكلم به حقا ، وبلغه رسوله جبريل عنه إلى رسوله محمد صلّى اللّه عليه وسلّم .
فهذا الشاهد في القلب من أعظم الشواهد ، وبه احتج هرقل على أبي سفيان حيث قال له : فهل يرتد أحد منهم سخطة لدينه ، بعد أن يدخل فيه ؟ فقال : لا . فقال له : وكذلك الإيمان إذا خالطت حلاوته بشاشة القلوب لا يسخطه أحد ، وقد أشار تعالى إلى هذا المعنى في قوله :
بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ
[ العنكبوت : 49 ] ، وقوله :
وَلِيَعْلَمَ
« 1 »
الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ
[ الحج : 54 ] ، وقوله :
وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ
( 6 ) [ سبأ ] ، وقوله :
أَ فَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى
[ الرعد : 19 ] ، وقوله :
هامش
( 1 ) في المطبوعة : ( ويرى ) وهو خطأ .