تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البدائع في علوم القرآن — صفحة 400

مساهمون:

ص٤٠٠
خلعوا نصوص الوحي عن سلطان الحقيقة ، وعزلوها عن ولاية اليقين . وشنوا عليها غارات التأويلات الباطلة . فلا يزال يخرج عليها من جيوشهم كمين بعد كمين . نزلت عليهم نزول الضيف على أقوام لئام ، فعاملوها بغير ما يليق بها من الإجلال والإكرام ، وتلقوها من بعيد ، ولكن بالدفع في صدورها والأعجاز . وقالوا : مالك عندنا من عبور ، وإن كان ولا بد ، فعلى سبيل الاجتياز : أنزلوا النصوص منزلة الخليفة في هذا الزمان ، له السكة والخطبة وما له حكم نافذ ولا سلطان . المتمسك عندهم بالكتاب والسنة صاحب ظواهر ، مبخوس حظه من المعقول ، والمقلد للآراء المتناقضة المتعارضة والأفكار المتهافتة لديهم هو الفاضل المقبول ، وأهل الكتاب والسنة ، المقدمون لنصوصها على غيرها ، جهال لديهم منقوصون :
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ قالُوا أَ نُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ
( 31 ) [ البقرة : 13 ] . حرموا - واللّه - الوصول ، بعدولهم عن منهج الوحي وتضييعهم الأصول ، وتمسكوا بأعجاز لا صدور لها فخانتهم أحرص ما كانوا عليها ، وتقطعت بهم أسبابها أحوج ما كانوا إليها . حتى إذا بعثر ما في القبور ، وحصل ما في الصدور ، وتميز لكل قوم حاصلهم الذي حصلوه ، وانكشفت لهم حقيقة ما اعتقدوه ، وقدموا على ما قدموه ،
وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ
[ الزمر : 47 ] . وسقط في أيديهم عند الحصاد لما عاينوا غلة ما بذروه . فيا شدة الحسرة عندما يعاين المبطل سعيه وكده هباء منثورا ! ، ويا عظم المصيبة عندما يتبين بوارق أمانيه خلبا وآماله كاذبة غرورا . فما ظن من انطوت سريرته على البدعة والهوى والتعصب للآراء بربه يوم تبلى السرائر ؟ ، وما عذر من نبذ الوحيين وراء ظهره في يوم لا تنفع الظالمين فيه المعاذر ؟ أفيظن المعرض عن كتاب ربه وسنة رسوله أن ينجو من ربه بآراء الرجال ؟ أو يتخلص من بأس اللّه بكثرة البحوث والجدال ، وضروب الأقيسة وتنوع الأشكال ؟ ، أو بالإشارات والشطحات ، وأنواع الخيال ؟ هيهات واللّه ، لقد ظن أكذب الظن ، ومنته نفسه أبين المحال . وإنما ضمنت النجاة لمن حكم هدى اللّه على غيره ، وتزود التقوى ، وائتم بالدليل ، وسلك الصراط المستقيم ، واستمسك من الوحي بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها واللّه سميع عليم « 1 » .
هامش
( 1 ) مدارج السالكين ( 1 / 3 - 6 ) .