تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البدائع في علوم القرآن — صفحة 399

مساهمون:

ص٣٩٩
وا عجبا لها ! كيف جعلت غذاءها من هذه الآراء التي لا تسمن ولا تغني من جوع ، ولم تقبل الاغتذاء بكلام رب العالمين ، ونصوص حيث نبيه المرفوع ؟ أم كيف اهتدت في ظلم الآراء إلى التمييز بين الخطأ والصواب ، وخفي عليها ذلك في مطالع الأنوار من السنة والكتاب ؟ . وا عجبا ! كيف ميزت بين صحيح الآراء وسقيمها ، ومقبولها ومردودها ، وراجحها ومرجوحها ، وأقرت على أنفسها بالعجز عن تلقي الهدى والعلم من كلام من كلامه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وهو الكفيل بإيضاح الحق مع غاية البيان ؟ وكلام من أوتي جوامع الكلم ، واستولى كلامه على الأقصى من البيان . كلا ، بل هي - واللّه - فتنة أعمت القلوب عن مواقع رشدها ، وحيرت العقول عن طرائق قصدها ، يربى فيها الصغير ، ويهرم فيها الكبير . وظنت خفافيش البصائر أنها الغاية التي يتسابق إليها المتسابقون ، والنهاية التي تنافس فيها المنافسون ، وتزاحموا عليها ، وهيهات ، أين السهى من شمس الضحى ؟ ، وأين الثرى من كواكب الجوزاء ؟ ، وأين الكلام الذي لم تضمن لنا عصمة قائله بدليل معلوم ، من النقل المصدق عن القائل المعصوم ؟ ، وأين الأقوال التي أعلى درجاتها : أن تكون سائغة الاتباع ، من النصوص الواجب على كل مسلم تقديمها وتحكيمها والتحاكم إليها في محل النزاع ؟ وأين الآراء التي نهى قائلها عن تقليده فيها وحذر ، من النصوص التي فرض على كل عبد أن يهتدي بها ويتبصر ؟ ، وأين المذاهب التي إذا مات أربابها « 1 » ؛ فهي من جملة الأموات ، من النصوص التي لا تزول إذا زالت الأرض والسماوات ؟ سبحان اللّه ! ما ذا حرم المعرضون عن نصوص الوحي ، واقتباس العلم من مشكاته من كنوز الذخائر ؟ ! ، وما ذا فاتهم من حياة القلوب واستنارة البصائر ؟ قنعوا بأقوال استنبطتها معاول الآراء فكرا ، وتقطعوا أمرهم بينهم لأجلها زبرا ، وأوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ، فاتخذوا لأجل ذلك القرآن مهجورا . درست معالم القرآن في قلوبهم فليسوا يعرفونها . ودثرت معاهده عندهم فليسوا يعمرونها ، ووقعت ألويته وأعلامه من أيديهم فليسوا يرفعونها ، وأفلت كواكبه النيرة من آفاق نفوسهم فلذلك لا يحبونها . وكسفت شمسه عند اجتماع ظلم آرائهم وعقدها فليسوا يبصرونها .
هامش
( 1 ) كذا في الأصل ، ولعل الصواب ( أربابها ) .