تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البدائع في علوم القرآن — صفحة 398

مساهمون:

ص٣٩٨
إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ
( 3 ) [ سورة العصر ] أقسم - سبحانه - أن كل أحد خاسر إلا من كمل قوته العلمية بالإيمان ، وقوته العملية بالعمل الصالح ، وكمل غيره بالتوصية بالحق والصبر عليه ، فالحق هو الإيمان والعمل ، ولا يتمان إلا بالصبر عليهما ، والتواصي بهما - كان حقيقا بالإنسان أن ينفق ساعات عمره - بل أنفاسه - فيما ينال به المطالب العالية ، ويخلص به من الخسران المبين ، وليس ذلك إلا بالإقبال على القرآن وتفهمه وتدبره واستخراج كنوزه وإثارة دفائنه ، وصرف العناية إليه ، والعكوف بالهمة عليه ، فإنه الكفيل بمصالح العباد ، في المعاش والمعاد . والموصل لهم إلى سبيل الرشاد ، فالحقيقة والطريقة ، والأذواق والمواجيد الصحيحة ، كلها لا تقتبس إلا من مشكاته ، ولا تستثمر إلا من شجراته « 1 » .

القرآن باب اللّه الأعظم الذي منه الدخول

فهو كتابه الدال عليه لمن أراد معرفته ، وطريقه الموصلة لسالكها إليه ، ونوره المبين الذي أشرقت له الظلمات ، ورحمته المهداة التي بها صلاح جميع المخلوقات ، والسبب الواصل بينه وبين عباده ، إذا انقطعت الأسباب ، وبابه الأعظم الذي منه الدخول ، فلا يغلق إذا غلقت الأبواب . وهو الصراط المستقيم الذي لا تميل به الآراء ، والذكر الحكيم الذي لا تزيغ به الأهواء ، والنزل الكريم الذي لا يشبع منه العلماء ، لا تفنى عجائبه ، ولا تقلع سحائبه ، ولا تنقضي آياته ، ولا تختلف دلالاته ، كلما ازدادت البصائر فيه تأملا وتفكرا زادها هداية وتبصيرا ، وكلما بجّست معينه فجر لها ينابيع الحكمة تفجيرا . فهو نور البصائر من عماها ، وشفاء الصدور من أدوائها وجواها ، وحياة القلوب ، ولذة النفوس ، ورياض القلوب ، وحادي الأرواح إلى بلاد الأفراح ، والمنادى بالمساء والصباح : يا أهل الفلاح ، حي على الفلاح . نادى منادي الإيمان على رأس الصراط المستقيم :
يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ
( 31 ) [ الأحقاف ] . أسمع - واللّه - لو صادف آذانا واعية ، وبصّر لو صادف قلوبا من الفساد خالية . لكن عصفت على القلوب هذه الأهواء فأطفأت مصابيحها ، وتمكنت منها آراء الرجال فأغلقت أبوابها وأضاعت مفاتيحها ، وران عليها كسبها فلم تجد حقائق القرآن إليها منفذا ، وتحكمت فيها أسقام الجهل فلم تنتفع معها بصالح العمل .
هامش
( 1 ) مدارج السالكين ( 1 / 6 ، 7 ) .