الصواب فلا يتكلمون به ، وهذه الصورة المذكورة وأمثالها قد تكلم فيها غيرهم بالصواب ، والمحظور إنما هو خلو عصرهم عن ناطق بالصواب ، واشتماله على ناطق بغيره فقط ، فهذا هو المحال ؛ وبهذا خرج الجواب عن قولكم : لو كان قول الواحد منهم حجة لما جاز عليه الخطأ ، فإن قوله لم يكن بمجرده حجة ؛ بل بما انضاف إليه مما تقدم ذكره من القرائن « 1 » .
ما أشكل على بعض الصحابة
وأنكر على عائشة إذ فهمت من قوله تعالى :
فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً
( 8 ) [ الانشقاق ] معارضته لقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « من نوقش الحساب عذب » « 2 » ، وبين لها أن الحساب اليسير ، هو العرض ، أي حساب العرض ، لا حساب المناقشة .
وأنكر على من فهم من قوله تعالى :
مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ
[ النساء : 123 ] أن هذا الجزاء إنما هو في الآخرة ، وأنه لا يسلم أحد من عمل السوء ، وبين أن هذا الجزاء قد يكون في الدنيا بالهم والحزن والمرض والنصب ، وغير ذلك من مصائبها ، وليس في اللفظ تقييد الجزاء بيوم القيامة .
وأنكر على من فهم من قوله تعالى :
الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ
( 82 ) [ الأنعام ] أنه ظلم النفس بالمعاصي ، وبين أنه الشرك ، وذكر قول لقمان لابنه :
إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ
( 13 ) [ لقمان ] مع أن سياق اللفظ عند إعطائه حقه من التأمل يبين ذلك ، فإن اللّه سبحانه لم يقل ، ولم يظلموا أنفسهم بل قال :
وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ
، ولبس الشيء بالشيء : تغطيته به وإحاطته به من جميع جهاته ، ولا يغطي الإيمان ويحيط به ويلبسه إلا الكفر .
ومن هذا قوله تعالى :
بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ
( 81 ) [ البقرة ] ، فإن الخطيئة لا تحيط بالمؤمن أبدا ، فإن إيمانه يمنعه من إحاطة الخطيئة به ، ومع أن سياق قوله :
وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ
( 81 ) [ الأنعام ] ، ثم حكم اللّه أعدل حكم وأصدقه أن من آمن ، ولم يلبس إيمانه بظلم فهو أحق بالأمن والهدى ، فدل على أن الظلم : الشرك .
هامش
( 1 ) إعلام الموقعين ( 4 / 195 - 198 ) .
( 2 ) مسلم ( 2876 / 79 ) في الجنة وصفة نعيمها وأهلها ، باب : إثبات الحساب .