تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البدائع في علوم القرآن — صفحة 391

مساهمون:

ص٣٩١
لا ريب أن أقوالهم في التفسير أصوب من أقوال من بعدهم ، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن تفسيرهم في حكم المرفوع . قال أبو عبد اللّه الحاكم في « مستدركه » : وتفسير الصحابي عندنا في حكم المرفوع . ومراده أنه في حكمه في الاستدلال به والاحتجاج ، لا أنه إذا قال الصحابي في الآية قولا فلنا أن نقول : هذا القول قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، أو قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . وله وجه آخر ، وهو أن يكون في حكم المرفوع بمعنى أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بين لهم معاني القرآن ، وفسره لهم كما وصفه تعالى بقوله :
لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ
[ النحل : 44 ] ، فبين لهم القرآن بيانا شافيا كافيا . وكان إذا أشكل على أحد منهم معنى سأله عنه فأوضحه له ، وكما سأله الصديق عن قوله :
مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ
[ النساء : 123 ] فبين له المراد ، وكما سأله الصحابة عن قوله تعالى :
الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ
[ الأنعام : 82 ] ، فبين لهم معناها . وكما سألته أم سلمة عن قوله تعالى :
فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً
( 8 ) [ الانشقاق ] ، فبين لها أنه العرض ، وكما سأله عمر عن الكلالة فأحاله على آية الصيف « 1 » التي في آخر السورة ، وهذا كثير جدا . فإذا نقلوا لنا تفسير القرآن فتارة ينقلونه عنه بلفظه ؛ وتارة بمعناه ، فيكون ما فسروا بألفاظهم من باب الرواية بالمعنى ، كما يروون عنه السنة تارة بلفظها وتارة بمعناها ، وهذا أحسن الوجهين ، واللّه أعلم .

بعض تفسير الصحابة يخالف الأحاديث

فإن قيل : فنحن نجد لبعضهم أقوالا في التفسير تخالف الأحاديث المرفوعة الصحاح ، وهذا كثير . كما فسر ابن مسعود الدخان بأنه الأثر الذي حصل عن الجوع الشديد والقحط ، وقد صح عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه دخان يأتي قبل يوم القيامة يكون من أشراط الساعة مع الدابة والدجال ، وطلوع الشمس من مغربها . وفسر عن عمر بن الخطاب قوله تعالى :
أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ
[ الطلاق : 6 ] ، بأنها للبائنة والرجعية ، حتى قال : لا ندع كتاب ربنا لقول امرأة ، مع أن السنة الصحيحة في البائن تخالف هذا التفسير .
هامش
( 1 ) هي آية الكلالة التي في آخر النساء لأنها نزلت في الصيف ، أما الأولى فنزلت في الشتاء .
البدائع في علوم القرآن — صفحة 391 | ابن قيم الجوزية