تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البدائع في علوم القرآن — صفحة 395

مساهمون:

ص٣٩٥
من عنده » « 1 » فأخبرهم أن يضعونها على غير مواضعها في فهمهم منها خلاف ما أريد بها . وأشكل على ابن عباس أمر الفرقة الساكتة التي لم ترتكب ما نهيت عنه من اليهود : هل عذبوا أو نجوا ، حتى بين له مولاه عكرمة دخولهم في الناجين دون المعذبين ، وهذا هو الحق ؛ لأنه سبحانه قال عن الساكتين :
وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً
[ الأعراف : 164 ] ، فأخبر أنهم أنكروا فعلهم ، وغضبوا عليهم وإن لم يواجهوهم بالنهي ، فقد واجههم به من أدى الواجب عنهم ، فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فرض كفاية ، فلما قام به أولئك سقط عن الباقين ، فلم يكونوا ظالمين بسكوتهم . وأيضا ، فإن اللّه - سبحانه - إنما عذب الذين نسوا ما ذكروا به ، وعتوا عما نهوا عنه ، وهذا لا يتناول الساكتين قطعا ، فلما بين عكرمة لابن عباس أنهم لم يدخلوا في الظالمين المعذبين كساه بردة وفرح به . وقد قال عمر بن الخطاب للصحابة : ما تقولون في :
إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ
( 1 ) السورة ؟ قالوا : أمر اللّه نبيه إذا فتح عليه أن يستغفره ، فقال لابن عباس ما تقول أنت ؟ قال : هو أجل رسول اللّه أعلمه إياه ، فقال : ما أعلم منها غير ما تعلم . وهذا من أدق الفهم وألطفه ، ولا يدركه كل أحد ، فإنه - سبحانه - لم يعلق الاستغفار بعمله ، بل علقه بما يحدثه هو - سبحانه - من نعمة فتحه على رسوله ، ودخول الناس في دينه ، وهذا ليس بسبب للاستغفار . فعلم أن سبب الاستغفار غيره ، وهو حضور الأجل الذي من تمام نعمة اللّه على عبده توفيقه للتوبة النصوح والاستغفار بين يديه ليلقى ربه طاهرا من كل ذنب ، فيقدم عليه مسرورا راضيا عنه ، ويدل عليه أيضا قوله :
فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ
[ النصر : 3 ] ، وهو صلّى اللّه عليه وسلّم كان يسبح بحمده دائما ، فعلم أن المأمور به من ذلك التسبيح بعد الفتح ، ودخول الناس في الدين أمر أكبر من ذلك المتقدم ، وذلك مقدمة بين يدي انتقاله إلى الرفيق الأعلى ، وأنه قد بقيت عليه من عبودية التسبيح والاستغفار التي ترقيه إلى ذلك المقام بقية ، فأمره بتوفيتها . ويدل عليه أيضا أنه سبحانه شرع التوبة والاستغفار في خواتيم الأعمال ، فشرعها في خاتمة الحج وقيام الليل ، وكان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إذا سلم من الصلاة استغفر ثلاثا ، وشرع للمتوضئ بعد كمال وضوئه أن يقول : « اللهم اجعلني من التوابين ،
هامش
( 1 ) أبو داود ( 4338 ) في الملاحم ، باب : الأمر والنهي ، والترمذي ( 2168 ) في الفتن ، باب : ما جاء في نزول العذاب إذا لم يغير المنكر ، وأحمد ( 1 / 5 ) .