وأبي عبيد وغيرهم - أن كتاب اللّه لا يخالفها بوجه ، وإنها لموافقة لكتاب اللّه . وأنكر الإمام أحمد والشافعي على من رد أحاديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، لزعمه أنها تخالف ظاهر القرآن ، وللإمام أحمد في ذلك كتاب مفرد سماه : ( كتاب طاعة الرسول ) .
والذي يجب على كل مسلم اعتقاده : أنه ليس في سنن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الصحيحة سنة واحدة تخالف كتاب اللّه ، بل السنن مع كتاب اللّه على ثلاث منازل :
المنزلة الأولى : سنة موافقة شاهدة بنفس ما شهد به الكتاب المنزل .
المنزلة الثانية : سنة تفسر الكتاب ، وتبين مراد اللّه منه ، وتقيد مطلقه .
المنزلة الثالثة : سنة متضمنة لحكم سكت عنه الكتاب فتبينه بيانا مبتدأ .
ولا يجوز رد واحدة من هذه الأقسام الثلاثة .
وليس للسنة مع كتاب اللّه منزلة رابعة .
وقد أنكر الإمام أحمد على من قال : « السنة تقضي على الكتاب » فقال : بل السنة تفسر الكتاب وتبينه .
والذي يشهد اللّه ورسوله به : أنه لم تأت سنة صحيحة واحدة عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم تناقض كتاب اللّه وتخالفه البتة .
كيف ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم هو المبين لكتاب اللّه ، وعليه أنزل ، وبه هداه اللّه ، وهو مأمور باتباعه ، وهو أعلم الخلق بتأويله ومراده ؟ ولو ساغ رد سنن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لما فهمه الرجل من ظاهر الكتاب ، لردت بذلك أكثر السنن ، وبطلت بالكلية .
فما من أحد يحتج عليه بسنة صحيحة تخالف مذهبه ونحلته ، إلا ويمكنه أن يتشبث بعموم آية أو إطلاقها ويقول : هذه السنة مخالفة لهذا العموم والإطلاق فلا تقبل .
حتى إن الرافضة - قبحهم اللّه - سلكوا هذا المسلك بعينه في رد السنن الثابتة المتواترة ، فردوا قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا نورث ما تركناه صدقة » « 1 » ، وقالوا : هذا حديث يخالف كتاب اللّه ، قال تعالى :
يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ
[ النساء : 11 ] .
وردت الجهمية ما شاء اللّه من الأحاديث الصحيحة في إثبات الصفات بظاهر قوله :
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
[ الشورى : 11 ] .
وردت الخوارج من الأحاديث الدالة على الشفاعة وخروج أهل الكبائر من الموحدين
هامش
( 1 ) سبق تخريجه ص 361 .