ثم أمرهم إذا كانوا على سفر - ولم يجدوا كاتبا - أن يستوثقوا بالرهان المقبوضة .
كل هذا نصيحة لهم ، وتعليم وإرشاد لما يحفظون به حقوقهم .
وما تحفظ به الحقوق شيء وما يحكم به الحاكم شيء .
فإن طرق الحكم أوسع من الشاهدين والمرأتين ، فإن الحاكم يحكم بالنكول واليمين المردودة . ولا ذكر لهما في القرآن . فإن كان الحكم بالشاهد الواحد واليمين مخالفا لكتاب اللّه ، فالحكم بالنكول ، والرد أشد مخالفة .
وأيضا ، فإن الحاكم يحكم بالقرعة بكتاب اللّه وسنة رسوله الصريحة الصحيحة .
ويحكم بالقافة بالسنة الصريحة الصحيحة التي لا معارض لها .
ويحكم بالقسامة بالسنة الصحيحة الصريحة .
ويحكم بشاهد الحال إذا تداعى الزوجان أو الصانعان متاع البيت والدكان .
ويحكم - عند من أنكر الحكم بالشاهد واليمين - بوجود الآجر في الحائط ، فيجعله للمدعي إذا كانت إلى جهته .
وهذا كله ليس في القرآن ، ولا حكم به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ولا أحد من أصحابه .
فكيف ساغ الحكم به ، ولم يجعل مخالفا لكتاب اللّه ، ورد ما حكم به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وخلفاؤه الراشدون وغيرهم من الصحابة ، ويجعل مخالفا لكتاب اللّه ؟ بل القول ما قاله أئمة الحديث : إن الحكم بالشاهد واليمين : حكم بكتاب اللّه ، فإنه حق ، واللّه - سبحانه - أمر بالحكم بالحق ، فهاتان قضيتان ثابتتان بالنص .
أما الأولي : فلأن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وخلفاءه من بعده حكموا به ولا يحكمون بباطل .
وأما الثانية : فلقوله تعالى :
وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ
[ المائدة : 49 ] .
وقوله :
إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ
[ النساء : 105 ] فالحكم بالشاهد واليمين مما أراد اللّه إياه قطعا .
وقوله :
فَلِذلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ
[ الشورى : 15 ] .
وهذا مما حكم به ، فهو عدل مأمور به من اللّه ولا بدّ . والذين ردوا هذه المسألة لهم طرق :
الطريق الأول : أنها خلاف كتاب اللّه ، فلا تقبل . وقد بين الأئمة - كالشافعي وأحمد