تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البدائع في علوم القرآن — صفحة 321

مساهمون:

ص٣٢١
فالآية على عمومها وظاهرها ، وإنما المؤمنون يصدر منهم من المعصية والمخالفة التي تضاد الإيمان ، ما يصير به للكافرين عليهم سبيل بحسب تلك المخالفة ، فهم الذين تسببوا إلى جعل السبيل عليهم ، كما تسببوا إليه يوم أحد بمعصية الرسول ومخالفته . واللّه - سبحانه - لم يجعل للشيطان على العبد سلطانا ، حتى جعل له العبد سبيلا إليه بطاعته والشرك به ، فجعل اللّه حينئذ له عليه تسلط وقهرا ، فمن وجد خيرا فليحمد اللّه تعالى ، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه . فالتوحيد والتوكل والإخلاص يمنع سلطانه ، والشرك وفروعه يوجب سلطانه ، والجميع بقضاء من أزمة الأمور بيده ، ومردها ، وله الحجة البالغة ، فلو شاء لجعل الناس أمة واحدة ، ولكن أبت حكمته وحمده وملكه إلا ذلك :
فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّماواتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 36 ) وَلَهُ الْكِبْرِياءُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
( 37 ) [ الجاثية ] « 1 » .

السمع في القرآن

والسمع يراد به إدراك الصوت ، ويراد به فهم المعنى ، ويراد به القبول والإجابة . والثلاثة في القرآن . فمن الأول : قوله :
قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ
( 1 ) [ المجادلة ] . وهذا أصرح ما يكون في إثبات صفة السمع للّه ، ذكر الماضي والمضارع واسم الفاعل ، سمع ويسمع وهو سميع وله السمع ، كما قالت عائشة رضي اللّه عنها : الحمد للّه الذي وسع سمعه الأصوات ، لقد جاءت المجادلة تشكو إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأنا في جانب البيت ، وإنه ليخفى عليّ بعض كلامها ، فأنزل اللّه :
قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها
« 2 » . والثاني : سمع الفهم ، كقوله :
وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ
أي : لأفهمهم
وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ
( 23 ) [ الأنفال ] لما في قلوبهم من الكبر والإعراض عن قبول الحق ، ففيهم آفتان ، إحداهما : أنهم لا يفهمون الحق لجهلهم ، ولو فهموه لتولوا عنه وهم معرضون عنه لكبرهم ، وهذا غاية النقص والعيب .
هامش
( 1 ) إغاثة اللهفان ( 1 / 98 - 101 ) . ( 2 ) البخاري معلقا ( الفتح 13 / 372 ) في التوحيد ، باب :وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً، والنسائي ( 3460 ) في الطلاق ، باب : الظهار ، وابن ماجة ( 188 ) في المقدمة ، باب : فيما أنكرت الجهمية ، أحمد ( 6 / 46 ) .