واحدا اختلف فيه وهو قوله :
ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ ( 28 ) هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ
( 29 ) [ الحاقة ] ، فقيل :
المراد به القدرة والملك أي : ذهب عني مالي وملكي فلا مال لي ولا سلطان . وقيل : هو على بابه أي : انقطعت حجتي وبطلت فلا حجة لي .
والمقصود أن اللّه - سبحانه - سمى علم الحجة سلطانا لأنها توجب تسلط صاحبها واقتداره فله بها سلطان على الجاهلين بل سلطان العلم أعظم من سلطان اليد ؛ ولهذا ينقاد الناس للحجة ما لا ينقادون لليد ، فإن الحجة تنقاد لها القلوب وأما اليد فإنما ينقاد لها البدن ، فالحجة تأسر القلب وتقوده وتذل المخالف وإن أظهر العناد المكابرة ، فقلبه خاضع لها ذليل مقهور تحت سلطانها ، بل سلطان الجاه إن لم يكن معه علم يستاس به فهو بمنزلة سلطان السباع والأسود ، ونحوها قدرة بلا علم ولا رحمة ، بخلاف سلطان الحجة فإنه قدرة بعلم ورحمة وحكمة ، ومن لم يكن له اقتدار في علمه فهو إمّا لضعف حجته وسلطانه وإما لقهر سلطان اليد والسيف له ، وإلا فالحجة ناصرة نفسها ظاهرة على الباطل قاهرة له « 1 » .
وأيضا لما كان الغضب مركب الشيطان ، فتتعاون النفس الغضبية والشيطان على النفس المطمئنة التي تأمر بدفع الإساءة بالإحسان ، أمر أن يعاونها بالاستعاذة منه . فتمد الاستعاذة النفس المطمئنة فتقوى على مقاومة جيش النفس الغضبية ، ويأتي مدد الصبر الذي يكون النصر معه ، وجاء مدد الإيمان والتوكل ، فأبطل سلطان الشيطان ، ف
إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ
( 99 ) [ النحل ] .
قال مجاهد وعكرمة والمفسرون : ليس له حجة .
والصواب : أن يقال : ليس له طريق يتسلط به عليهم ، ولا من جهة الحجة ، ولا من جهة القدرة . والقدرة داخلة في مسمى السلطان ، وإنما سميت الحجة سلطانا لأن صاحبها يتسلط بها تسلط صاحب القدرة بيده ، قد أخبر - سبحانه - أنه لا سلطان لعدوه على عباده المخلصين والمتوكلين ، فقال في سورة الحجر :
قالَ رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ( 39 ) إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ( 40 ) قالَ هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ ( 41 ) إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ
( 42 ) [ الحجر ] .
وقال في سورة النحل :
إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ( 99 )
هامش
( 1 ) مفتاح دار السعادة ( 63 - 64 ) .