تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البدائع في علوم القرآن — صفحة 319

مساهمون:

ص٣١٩
إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ
( 100 ) [ النحل ] . فتضمن ذلك أمرين : أحدهما : نفي سلطانه وإبطاله على أهل التوحيد والإخلاص والثاني : إثبات سلطانه على أهل الشرك وعلى من تولاه . ولما علم عدو اللّه أن اللّه تعالى لا يسلطه على أهل التوحيد والإخلاص قال :
قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ
[ ص : 82 - 83 ] . فعلم عدو اللّه أن من اعتصم باللّه ، عز وجل ، وأخلص له وتوكل عليه ، لا يقدر على إغوائه وإضلاله ، وإنما يكون له السلطان على من تولاه وأشرك مع اللّه ، فهؤلاء رعيته فهو وليهم وسلطانهم ومتبوعهم . فإن قيل : فقد أثبت له السلطان على أوليائه في هذا الموضع ، فكيف ينفيه في قوله :
وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( 20 ) وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْها فِي شَكٍّ
[ سبأ : 20 - 21 ] . وقيل : إن كان الضمير في قوله :
وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ
عائدا على المؤمنين فالسؤال ساقط ، ويكون الاستثناء منقطعا : أي لكن امتحنّاهم بإبليس ، لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك ، وإن كان عائدا على ما عاد عليه في قوله :
وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ
وهو الظاهر ، ليصح الاستثناء المنقطع بوقوعه بعد النفي ، ويكون المعنى : وما سلطناه عليهم إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة . قال ابن قتيبة : إن إبليس لما سأل اللّه تعالى النظرة فأنظره قال : لأغوينهم ولأضلنهم ولآمرنهم بكذا ، ولأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا « 1 » وليس هو في وقت هذه المقالة . مستيقنا أن ما قدره فيه يتم ، وإنما قال ظانا ، فلما اتبعوا وأطاعوه صدق عليهم ما ظنه فيهم ، فقال تعالى : وما كان تسليطنا إياه إلا لنعلم المؤمنين من الشاكين ، يعني نعلمهم موجودين ظاهرين فيحق القول ويقع الجزاء . وعلى هذا فيكون السلطان هاهنا على من لم يؤمن بالآخرة وشك فيها ، وهم الذين تولوه وأشركوا به ، فيكون السلطان ثابتا لا منفيا ، فتتفق هذه الآية مع سائر الآيات .
هامش
( 1 ) قال تعالى في سورة النساء :إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِناثاً وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطاناً مَرِيداً ( 117 ) لَعَنَهُ اللَّهُ وَقالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً ( 118 ) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْراناً مُبِيناً( 119 ) .
البدائع في علوم القرآن — صفحة 319 | ابن قيم الجوزية