تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البدائع في علوم القرآن — صفحة 320

مساهمون:

ص٣٢٠
فإن قيل : فما تصنع بالتي في سورة إبراهيم ، حيث يقول لأهل النار
وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي
[ إبراهيم : 22 ] ، وهذا وإن كان قوله فاللّه - سبحانه - أخبر به عنه مقررا له ، لا منكرا ، فدل على أنه كذلك . قيل : هذا سؤال جيد ، وجوابه : أن السلطان المنفي في هذا الموضع : هو الحجة والبرهان ، أي : ما كان لي عليكم من حجة وبرهان أحتج به عليكم ، كما قال ابن عباس : ما كان لي من حجة أحتج بها عليكم . أي : ما أظهرت لكم حجة إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي ، وصدقتم مقالتي ، واتبعتموني بلا برهان ولا حجة . وأما السلطان الذي أثبته في قوله :
إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ
فهو تسلطه عليهم بالإغواء والإضلال وتمكنه منهم ، بحيث يؤزهم إلى الكفر والشرك ويزعجهم إليه ، ولا يدعهم يتركونه ، كما قال تعالى
أَ لَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا
( 83 ) [ مريم : 83 ] قال ابن عباس : تغريهم إغراء . وفي رواية : تشليهم إشلاء « 1 » . وفي لفظ : تحرضهم تحريضا . وفي آخر : تزعجهم إلى المعاصي إزعاجا . وفي آخر : توقدهم : أي تحركهم كما يحرك الماء بالإيقاد تحته . قال الأخفش : توهجهم . وحقيقة ذلك أن ( الأز ) هو التحريك والتهييج ، ومنه يقال لغليان القدر : الأزيز : لأن الماء يتحرك عند الغليان . ومنه الحديث : « لجوفه أزيز كأزيز المرجل من البكاء » « 2 » قال أبو عبيدة : « الأزيز » الالتهاب والحركة ، كالتهاب النار في الحطب ، يقال أز قدرك ، أي ألهب تحتها بالنار ؛ وأيزت القدر إذا اشتد غليانها ، فقد حصل للأز معنيان : أحدهما : التحريك ، والثاني : الإيقاد والإلهاب ، وهما متقاربان فإنه تحريك خاص بإزعاج وإلهاب . فهذا من السلطان الذي له على أوليائه وأهل الشرك ، ولكن ليس له على ذلك حجة وبرهان ، وإنما استجابوا له بمجرد دعوته إياهم ، لما وافقت أهواءهم وأغراضهم فهم الذين أعانوا على أنفسهم ومكنوا عدوهم من سلطانه عليهم ، بموافقته ومتابعته فلما أعطوا بأيديهم واستأسروا له سلّط عليهم ، عقوبة لهم . وبهذا يظهر معنى قوله سبحانه :
وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا
[ النساء : 141 ] .
هامش
( 1 ) قال ابن جرير قال ابن زيد :تَؤُزُّهُمْ أَزًّافقرأ :وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ( 36 ) قال تؤزهم أزا : تشليهم إشلاء على معاصي اللّه تبارك وتعالى وتغريهم عليها كما يغري الإنسان الآخر على الشيء ا . ه . في القاموس : أشلى دابته : أراها المخلاة لتأتيه ، والناقة : دعاها للحلب . ( 2 ) رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي - وصححه - وابن حبان وابن خزيمة : عن مطرف بن عبد اللّه بن الشخير عن أبيه قال : رأيت النبي صلى اللّه عليه وسلم يصلي ولصدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء .
البدائع في علوم القرآن — صفحة 320 | ابن قيم الجوزية