تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البدائع في علوم القرآن — صفحة 317

مساهمون:

ص٣١٧
يشاء منه نعمة وفضلا ، ويضل من يشاء حكمة منه وعدلا ، ينزل إليهم أوامره ، وتعرض عليه أعمالهم . لم يخلقهم عبثا ، ولم يتركهم سدى ، بل أمره جار عليهم في حركاتهم وسكناتهم وظواهرهم وبواطنهم ، فللّه عليهم حكم وأمر في كل تحريكة وتسكينة ولحظة ولفظة . وينكشف له في هذا النور عدله وحكمته ورحمته ولطفه وإحسانه ، وبره في شرعه وأحكامه ، وأنها أحكام رب رحيم محسن لطيف حكيم ، قد بهرت حكمته العقول ، وأقرت بها الفطر ، وشهدت لمنزلها بالوحدانية ، ولمن جاء بها بالرسالة والنبوة . وينكشف له في ضوء ذلك النور إثبات صفات الكمال وتنزيهه ، سبحانه - عن النقص والمثال ، وأن كل كمال في الوجود فمعطيه وخالقه أحق به أولى ، وكل نقص وعيب فهو - سبحانه - منزّه متعال عنه . وينكشف له في ضوء هذا النور حقائق المعاد واليوم الآخر ، وما أخبر به الرسول عنه حتى كأنه يشاهده عيانا ، وكأنه يخبر عن اللّه وأسمائه وصفاته وأمره ونهيه ووعده ووعيده إخبار من كأنه قد رأى وعاين وشاهد ما أخبر به . فمن أراد - سبحانه - هدايته شرح صدره لهذا فاتسع له وانفسح ، ومن أراد ضلالته جعل صدره من ذلك في ضيق وحرج لا يجد فيه مسلكا ، ولا منفذا ، واللّه الموفق المعين . وهذا الباب يكفي اللبيب في معرفة القدر والحكمة ، ويطلعه على العدل والتوحيد اللذين تضمنهما قوله :
شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
( 18 ) [ آل عمران ] « 1 » .

السلطان في القرآن

قال ابن عباس رضي اللّه عنه : كل سلطان في القرآن فهو حجة ، وهذا كقوله تعالى :
قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا أَ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ
( 68 ) [ يونس ] ، يعني : ما عندكم من حجة بما قلتم إن هو إلا قول على اللّه بلا علم ؛ وقال تعالى :
إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ
[ النجم : 23 ] ، يعني ما أنزل بها حجة ولا برهانا بل هي من تلقاء أنفسكم وآبائكم ؛ وقال تعالى :
أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ ( 156 ) فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
( 157 ) [ الصافات ] . يعني حجة واضحة فأتوا بها إن كنتم صادقين في دعواكم . إلا موضعا
هامش
( 1 ) شفاء العليل ( 1 / 225 - 281 ) .