تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البدائع في علوم القرآن — صفحة 292

مساهمون:

ص٢٩٢
وقالت طائفة : الضمير يرجع إلى الأغلال ، وهذا هو الظاهر ، وقوله : فهي إلى الأذقان أي : واصلة وملزوزة إليها ، فهو غل عريض قد أحاط بالعنق حتى وصل إلى الذقن . وقوله :
فَهُمْ مُقْمَحُونَ
قال الفراء والزجاج : المقمح : هو الغاض بصره بعد رفع رأسه ، ومعنى الإقماح في اللغة : رفع الرأس وغض البصر ، يقال : أقمح البعير رأسه وقمح . وقال الأصمعي : بعير قامح إذا رفع رأسه عن الحوض ، ولم يشرب . قال الأزهري : لما غلت أيديهم إلى أعناقهم رفعت الأغلال أذقانهم ، ورؤوسهم صعدا ، كالإبل الرافعة رءوسها ، انتهى . فإن قيل : فما وجه التشبيه بين هذا وبين حبس القلب عن الهدى والإيمان ؟ قيل أحسن وجه وأبينه ، فإن الغل إذا كان في العنق ، واليد مجموعة إليها منع اليد عن التصرف والبطش ، فإذا كان عريضا قد ملأ العنق ووصل إلى الذقن ، منع الرأس من تصويبه ، وجعل صاحبه شاخص الرأس منتصبة لا يستطيع له حركة ، ثم أكد هذا المنع والحبس بقوله :
وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا
[ يس : 9 ] . قال ابن عباس : منعهم من الهدى ؛ لما سبق في علمه . والسد الذي جعل من بين أيديهم ومن خلفهم هو الذي سد عليهم طريق الهدى ، فأخبر - سبحانه - عن الموانع التي منعهم بها من الإيمان عقوبة لهم ، ومثلها بأحسن تمثيل وبغلّه . وذلك حال قوم قد وضعت الأغلال العريضة الواصلة إلى الأذقان في أعناقهم وضمت أيديهم إليها ، وجعلوا بين السدين لا يستطيعون النفوذ من بينهما ، وأغشيت أبصارهم فهم لا يرون شيئا . وإذا تأملت حال الكافر الذي عرف الحق ، وتبين له ، ثم جحده وكفر به ، وعاداه أعظم معاداة وجدت المثل مطابقا له أتم مطابقة ، وأنه قد حيل بينه وبين الإيمان كما حيل بين هذا وبين التصرف ، واللّه المستعان .

فصل

وأما القفل فقال تعالى :
أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها
( 24 ) [ محمد ] قال ابن عباس : يريد على قلوب هؤلاء أقفال . وقال مقاتل : يعني : الطبع على القلب ، وكأن القلب بمنزلة الباب المرتج الذي قد ضرب عليه قفل ، فإنه ما لم يفتح القفل لا يمكن فتح الباب والوصول إلى ما وراءه ، وكذلك ما لم يرفع الختم والقفل عن القلب لم يدخل الإيمان والقرآن .